(خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً)
وقال رسول الله ﷺ: «أعظم الناس جرما فى الإسلام من سأل عن شىء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته» ، فصحّ أن كل شىء حرّمه الله عزّوجلّ علينا فقد فصّله لنا، وكل ما لم يفصّل تحريمه لنا فهو حلال.
واستدلّ ﵀ على إباحته بالأحاديث التى ذكرناها، حديث عائشة عن خبر أبى بكر الصدّيق رضى الله عنهما في غناء الجاريتين، واستدلّ أيضا بحديث نافع أن ابن عمر سمع مزمارا فوضع إصبعيه في أذنيه ونأى عن الطريق وقال: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قلت لا، فرفع إصبعيه عن أذنيه وقال: كنت مع رسول الله ﷺ وسمع مثل هذا وصنع مثل هذا. قال: فلو كان حراما ما أباح ﵊ لابن عمر سماعه ولا أباح ابن عمر لنافع سماعه؛ ولكنّه ﵊ كره لنفسه كلّ شىء ليس من التقرّب إلى الله ﷿، كما كره الأكل متّكئا، والتنشّف بعد الغسل في ثوب يعدّ لذلك، والستر الموشّى على سهوة عائشة وعلى باب فاطمة رضى الله عنهما، وكما كره ﷺ أشدّ الكراهة أن يبيت عنده دينار أو درهم. وإنما بعث ﵊ منكرا للمنكر، آمرا بالمعروف.
فلو كان ذلك حراما لما اقتصر النبىّ ﷺ أن يسدّ أذنيه عنه دون أن يأمر بتركه وينهى عنه، ولم يفعل ﵊ شيئا من ذلك بل أقرّه وتنزّه عنه، فصحّ أنه مباح وأن الترك له أفضل كسائر فضول الدنيا المباحة.
قال: فإن قال قائل: قال الله ﵎: (فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ)
ففى أىّ ذلك يقع الغناء؟ قيل له: حيث يقع التروّح في البساتين وصباغ ألوان الثياب؛ ولكلّ امرىء ما نوى فإذا نوى المرء ترويح نفسه وإجمامها لتقوى على طاعة الله فما أتى ضلالا. قال: ولا يحلّ تحريم شىء ولا إباحته إلا بنص من الله ﷿ أو من رسوله ﷺ، لأنه إخبار عن الله ﷿، ولا يجوز