وكانَ قد حفظَ ربعَ "الوجيز" في الفقهِ على مذهبِ الشَّافعيِّ، ثمَّ تحوَّل حنفيًا، وتفقَّهَ على مذهبِ الحنفيةِ، ونظرَ في الآدابِ، وشاركَ في الفضائلِ، وطلبَ الحديثَ. وسمعَ بدمشقَ، والقاهرةِ، وبغدادَ، ودخل خُوارَزْمَ، وغيرها، وشاركَ في الفضائل.
ورأيتُه صحَّحَ نسخةً "بالبخاريِّ" في سنةِ ثمان وستين وسبعِ مئة، ونقَّحَ حواشيها. ووَلِيَ قضاءَ الحنفية، والتَّدريسَ بها، والحِسبةَ في سنة ستٍّ وستين أيَّامَ النَّاصرِ حسن بنِ النَّاصرِ مُحمَّدِ بنِ المنصور، وامتدحَه بقصيدةٍ أوَّلُها:
سَلا مَنْ سَلاني والفؤادُ له سَكَنْ … عسى يقرِنُ الحَسَنِيْ إلى وجهه الحَسَنْ
وكانَ سيفًا لأهل السُّنَّة، قامعًا البدعة، وهو أوَّلُ قضاةِ الحنفيةِ بالمدينة.
قالَ ابنُ حبيبٍ: حدَّث بحلبَ "بالشِّفا" عن الزُّبير. وله مقامةٌ بديعة في المفاخرة بين مكةَ والمدينةِ. قُرِئَتْ عليه بحلبَ في رجبٍ سنةَ وفاتِهِ.
قلتُ: وسماها "المرورَ بين العَلَمَينِ في مفاخَرَةِ الحرمين" (¬١)، قرَّظها الأكابرُ من أئمة الأدبِ والعلماءِ، وهم: البرهانُ القيراطيُّ (¬٢)، والشرفُ ابن قاضي الجبلِ (¬٣)،