سنة ثمان وسبعمائة، وذلك بعد رواح الناصر إلى الكرك وعزله نفسه عن السلطنة كما ذكرنا (¬١)، وكانت البيعة بدار سيف الدين سلار، واستقر سلار على عادته نائب السلطان، ثم جرى عليه ما ذكرنا، وكانت مدة سلطنته التي نُسبت إليه ووقع اسمها عليه أحد عشر شهرًا، كما كانت دولة الملك المظفر قطز سَميَّه.
قال النويري في تاريخه: ولما وصلوا بالمظفر بيبرس إلى السلطان الناصر أوقفه بين يديه، وأمر بدخوله الحمام، وخنق في بقية يومه، ودفن بالقرافة، وعَفَّى قبره مدة، ثم أمر بانتقاله إلى تربته التي بالخاناقاه، فنُقل إليها (¬٢).
وكان بيبرس هذا ابتدأ بعبارة الخانقاه والتربة داخل باب النصر، موضع دار الوزارة، في سنة ست وسبعمائة، وأوقف عليها أوقافًا جليلة (¬٣)، ولكنه مات قبل فتحها، فأغلقها الملك الناصر مدة، ثم فتحها ورتب فيها جماعة من الصوفية وبعض الأوقاف التي كانت لها، وارتجع البقية، وأما التربة فاستقرت مغلقة إلى آخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
وبيبرس هذا هو الذي عَمَّر الجامع الحاكمي بالقاهرة، وكانت الزلزلة قد أخربته، وكان ذلك في سنة أربع وسبعمائة، وأنفق عليه من ماله جملة كثيرة، ورتب فيه أربعة دروس للمذاهب الأربعة، ورتب فيه درس حديث، ودرس نحو، ودرس القراءات السبعة، ووقف فيه خزانة كتب، وقد ذكرنا جميع ذلك مفصلًا (¬٤).