وهل يُتصوَّر الإجرام من رسول الله؟! وفي المقابل: ﴿وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] مع أن منطق الجدل هنا أن يقول: ولا نُسأل عما تُجرِمون، لكنه نسب الإجرام لنفسه، ولم يذكره في حَقِّ الآخرين، فهل هناك تلطُّفٌ وترقيق للقلوب فوق هذا؟
الحق ﵎ يعرض لكل هذه المسائل ليثبت أن رسوله ﷺ َ كان حريصاً على إيمان قومه، وأنه لم يدّخِرْ وُسْعاً في سبيل هدايتهم وجَذْبهم إليه؛ لدرجة أنه حمّل نفسه فوق ما يطلبه الله منه، حتى قال له ربه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] .
وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .
يعني: مُهلكٌ نفسك من أجل هدايتهم، وما عليك إلا البلاغ، ولا يقول له ربه هذا الكلام إلا إذا كان قد عَلِم منه حِرْصاً ورغبة أكيدة في هداية قومه.
ومعنى: ﴿أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٤] قوله تعالى ﴿شَرٌّ﴾ [الفرقان: ٣٤] ولم يقُلْ أشر؛ لأن معناها: أن الجهة الثانية فيها شر، وهذا أيضاً من إرخاء العِنان للخصم.
ثم يحدثنا الحق سبحانه عن أقوام الرسل السابقين: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾