فالذي فرض عليك مشقة التكاليف، وحمَّلك مشاق الدعوة والإقناع بها، وتنفيذ أحكامها، هو الذي سيردُّك إلى بلدك ردَّ نصر، وردّ فتح، وما أشبهَ ردِّ رسول الله إلى بلده بردِّ موسى ﵇ إلى أمه في قوله تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ... ﴾ [القصص: ٧] ليس رَدَّاً عادياً، إنما ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] .
إذن: سيُردُّ إليك ولدك، لكن سيُرد رسولاً منتصراً. وكما صدق الله في ردِّ موسى يصدق في ردِّ محمد.
ومعنى ﴿مَعَادٍ ... ﴾ [القصص: ٨٥] ليس هو الموعد كما يظن البعض، إنما يراد به المكان الذي تعود إليه بعد أن تفارقه، فالمعنى: سنردُّك إلى المكان الذي تحِنُّ إليه، ويتعلق به قلبك.
أو نردك إلى (معاد) أي: إلينا، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] ولا مانع من إرادة المعنيين معاً.
ثم يقول سبحانه: ﴿قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] الحق ﵎ يعلِّم رسوله محمداً ﷺ َ الجدل العفيف، لا الجدل العنيف، يُعلِّمه كيف يردُّ على ما قالوا عن الذي يؤمن به (صبأ فلان) يعني: خرج عن دين آبائه وهم يعتقدون أنه الحق، فكأن الذي يؤمن في نظرهم خرج من الحق إلى الباطل.
إذن: فهذه عقول تحتاج إلى سياسة وجدل، كما قال سبحانه: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ [النحل: ١٢٥] ؛ لأن الجدل العنيف يزيد خصمك عناداً ولجاجة، أما الجدل العنيف فيستميل القلوب ويعطفها نحوك؛ لذلك يرد رسول الله بقوله: ﴿قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: جاء بالهدى من عند الله