والإشكال الذي يحتاج إلى توضيح هنا قوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً. .] [الأحزاب: ١٧] فكيف تكون العصمة من الرحمة؟ قالوا: يعصم هنا بمعنى يمنع، والمعنى: لا يمنع أحد من أعدائكم رحمة الله إنْ أراد الله بكم رحمة.
ونلحظ على سياق الآية أنها جاءت بأسلوب الاستفهام، ولم تأْتِ على صورة الخبر، فلم يَقُلْ القرآن لمحمد ﷺ َ: قل يا محمد، لا يُعصَم أحد من الله إنْ أرادكم بسوء، لأن الجملة الخبرية محتملة للصدق وللكذب، إنما شاء الله أن يجعلها جملة إنشائية استفهامية؛ ليقرروا هم بأنفسهم هذه الحقيقة، كأنه تعالى يقول لهم: لقد ارتضيتُ حكمكم أنتم، ولو لم يكُنْ الحق سبحانه واثقاً من أن الجواب لن يأتي إلا: لا أحدَ لَمَا جاء بالأسلوب في صورة استفهام، إذن: فالاستفهام هنا آكد في تقرير صِدْق هذه الجملة.
كذلك أنت تلجأ إلى هذا الأسلوب في الردِّ على مَنْ ينكر جميلك، فتقول: ألم أُحْسِن إليك يوم كذا وكذا؟ فلا يملك عندها إلا الإقرار.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ [الأحزاب: ١٧] الولي: هو القريب منك، وأنت لا تُقرِّب منك إلا مَنْ ترجو نفعه، هو الذي يليك أو يُواليك، فحبُّه يسبق الحدث، فإذا ما جاء الحدث حمله حبُّه لك على أنْ يدافع عنك.
والنصير: قريب من معنى الولي، ويدافع أيضاً عنك، لكن يأتي دفاعه بعد الحدث، وقد يكون ممَّنْ لا قرابةَ بينك وبينهم.
والمعنى: حين يريد الله أحداً بسوء فلن يجد أحداً يمنعه من الله، لا الولّي ولا النصير.