وأشَار ابن كثير إلى الاخْتِلاف في قِرَاءة (أَمَرْنَا) في آيَة "الإسراء"، ثم ذَكَر الْخِلاف أيضًا في مَعْنَاها، ونَقَل عن ابن جرير مَا قَالَه، وتَعَقَّب قَوله: "وقد يَحْتَمِل أن يَكُون مَعْنَاه: جَعَلْنَاهم أمَرَاء" (¬١). بِقَولِه: إنَّمَا يَجِيء هَذا على قِرَاءة مَنْ قَرأ (أمَّرْنا مُتْرَفِيها) (¬٢).
فابْنُ كَثير اكْتَفَى بِبَيَان الْمَعْنَى بِاخْتِصَار، دُون الإشَارَة إلى مَا يُتَوهَّم تَعَارُضه في الآيَة مِنْ حَيث الأمْر بالفِسْق في قَوله تَعالى: (أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا).
رأي الباحث:
مِمَّا قَرَّرَه الأئمَة: أنَّ الله لا يَأمُر بِالفَحْشَاء، اسْتِدْلالًا بِقَوله تَعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)، وهَذا مَحَلّ اتِّفَاق حَتى عِند غَير أهل الإسلام، فقد قَال هِرَقْل في سُؤَاله لأبي سُفيان عن أحْوال النبي ﷺ: مَاذا يَأمُرُكُم؟ قلت: يَقُول: اعْبُدُوا الله وحْدَه ولا تُشْرِكُوا بِه شَيئًا، واتْرُكُوا مَا يَقُول آبَاؤكم، ويَأمُرُنا بِالصَّلاة والصِّدْق والعَفَاف والصِّلَة (¬٣).
ويَتّفِق العُقَلاء أيضًا على أنَّ دِين الإسْلام لَم يأتِ بشيء يُخَالِف العَقْل، فَقَد أمَر الإسْلام بِكُلّ فَضِيلَة، ونَهَى عن كُلّ رَذِيلَة.