وبعدُ، فحين يحاجُّ المرء بأن دعواه صائبة لا لشيءٍ إلا لأن الأصل اللغوي نفسه للكلمة يفيد ذلك - فإنه يقع في ضربٍ من الاستدلال الدائري. وفضلًا عن ذلك فإن افتراض أن الكلمات يجب أن تبقى لصيقةً بمعناها التاريخي الأول هو افتراض ينطوي على إغفالٍ عبثي للطبيعة الاصطلاحية للغة، وتقييد لا مبرر له لنموها وتطورها.
إن اللغة لفي سيرورةٍ دائمةٍ وتحولٍ دائب، وهناك ألف سببٍ يُلحُّ على الألفاظ أن تخرج من جلدها وتكتسي معاني جديدة غير ذات صلة بمعناها القديم. وما دامت اللغة في تغير مستمر فمن الطبيعي أن تواكبها في ذلك علوم اللغة المنوط بها رصد الظاهرة اللغوية وضبط حركتها، وأن يكون نهج العلوم اللغوية توترًا محسوبًا بين «المعيارية» و «الوصفية»: معيارية تصون اللغة من التحلل والانهيار، ووصفية تفتح لها آفاقًا للتطور والارتقاء. (¬١)
(٢ - ١) قُلْ وقُلْ وقُلْ
يوشك هواة قل ولا تقل أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول.
ماذا يعني أن تقول في اللغة: «هذا خطأ»؟
يعني أنه لا يراعي «مستوًى صوابيًّا» Standard of correctness معينًا كان ينبغي أن يراعيه. يقول جاردنر في كتابه «الكلام واللغة» (١٩٣٣ م): «ومن أجل هذا يجب أن نسأل أنفسنا أولًا: ما هي اللغة؟ ومَن صاحب السلطة في وضع القواعد والأسس والاستعمالات والكلمات التي يجب التزامها وتفرض على الجميع؟ وهذه أسئلة سهلة، ولكن الإجابة عليها عسيرة، فهناك تقدير تقريبي للموضوع من رأيه أنه كما يقف الفرد وراء كلامه ليدافع عنه، فإن «المجتمع اللغوي» يقف أيضًا من وراء اللغة عمومًا» (¬٢) … وكان السائد في الجيل الماضي اتجاه اللغويين إلى النظرة للغة نظرةً معيارية صرفًا: فمهمة النحو تدريس قواعد صحة الكلام، ووظيفة المعجم ليست إعطاء معاني الكلمات