مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ بِتَرَاضٍ. وَيَنْعَقِدُ بإيجَابٍ وَقَبُولٍ،
===
وأمّا قوله تعالى: ﴿إنّ اللَّه اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ (¬١) فعلى حقيقته، وكذا قوله تعالى: ﴿أوَلَئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾ (¬٢) ، أي: استبدلوه واختاروه عليه.
وفي الشَّرع: (مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ) أي على وجه التمليك (بِتَرَاضٍ) لقوله تعالى: ﴿إلاّ أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (¬٣) .
وهو عقدٌ مشروعٌ بقوله تعالى: ﴿وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (¬٤) ؛ وبالسُّنَّة وهي كثيرةٌ شهيرةٌ؛ وبإجماع الأمّة على جوازه، وأنّه أحد أسباب المِلك، وبأنّه ﷺ بُعثَ والنَّاس يتبايعون فأقرّهم عليه حتى قال: «يا معشر التُّجَّار إنْ بيعكم هذا يحضره اللّغو والكذب، فشُوبُوه (¬٥) بالصَّدقة» (¬٦) . وقد باع واشترى بمباشرة وتوكيلٍ.
وقد صحّ عند أرباب السِّيَر أنّ النَّبيّ ﷺ اتَّجر لخديجة، لكن قبل البعثة بخمسة عشر سنة، فإنه بُعِثَ على رأس الأربعين، وخرج تاجراً إلى الشام لخديجة لَمّا بلغ خمساً وعشرين سنةً، قبل أنْ يتزوّجها بشهرين وخمسةٍ وعشرين يوماً. وكان أبو بكر تاجراً في البَزِّ، وعمرُ في الطَّعام، وعثمانُ في الَبزِّ (¬٧) والتَّمْر، وعبّاس في العطر. ومن هنا قال أصحابنا: أفضل الكسب بعد الجهاد التِّجارة، ثُمَّ الزِّراعة (¬٨) ، ثُمَّ الصّناعة. وعندي أنّ أفضلها الكتابة.
(وَيَنْعَقِدُ) البيع (بإيجَابٍ) أَي: إثباتٍ؛ والمراد به ما يُذْكَر أولاً من كلام المتعاقدين، لأنه يُثِبتُ خِيار القبول للآخر. (وَقَبُولٍ) وهو ما يُذْكَر آخِراً من كلامهما، أو ما يقوم مَقَامه من قبض المبيع، كما لو قال: بعتك هذا بدرهمٍ، فقبضه المشتري ولم يقل شيئاً.
والمعنى أنه ينعقد بمجموع الإيجاب والقَبُول، ولا بدَّ أن يكون أحدهما يدلّ