فَقِيل: هُوَ تَصْدِيقُ الرَّسُول ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مَعَ إِظْهَارِ الْخُضُوعِ وَالْقَبُول لِمَا أَتَى بِهِ. فَهُوَ اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَْرْكَانِ.
وَالْمُرَادُ بِالاِعْتِقَادِ: الإِْيمَانُ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَالْقَدَرِ، عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيل ﵇.
وَالْمُرَادُ بِقَوْل اللِّسَانِ: النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
وَالْمُرَادُ بِالْعَمَل بِالْجَوَارِحِ: فِعْلُهَا وَكَفُّهَا تَبَعًا لِلأَْمْرِ وَالنَّهْيِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: هَذَا قَوْل السَّلَفِ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْل الْمُعْتَزِلَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ جَعَلُوا الأَْعْمَال شَرْطًا فِي صِحَّةِ الإِْيمَانِ، وَالسَّلَفَ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ.
وَقِيل: الإِْيمَانُ هُوَ: التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الْفُقَهَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْوَضْعُ اللُّغَوِيُّ لِلَفْظِ (الإِْيمَانِ) وَأَنَّ الأَْصْل عَدَمُ النَّقْل. وَلَيْسَتِ الأَْعْمَال عِنْدَهُمْ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الإِْيمَانِ. فَإِذَا وُجِدَ لَدَى الإِْنْسَانِ الإِْيمَانُ وُجِدَ كَامِلاً، وَإِنْ زَال زَال دَفْعَةً وَاحِدَةً.
أَمَّا عَلَى قَوْل السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنَّ الإِْيمَانَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ قُوَّةِ التَّصْدِيقِ لِوُضُوحِ الأَْدِلَّةِ وَجَوْدَةِ الْفَهْمِ. وَيَزِيدُ الإِْيمَانُ بِالطَّاعَاتِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي، وَيُفَاضَل النَّاسُ فِيهِ.
وَاسْتَشْهَدَ لَهُمْ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ (٢) .