المقصد الثاني: في السنّة
الفصل الأول: في معنى السنّة لغة وشرعا
...
الْبَحْثُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْنَى السُّنَّةِ لُغَةً وَشَرْعًا
وأما لُغَةً: فَهِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ، وَأَصْلُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ سَنَنْتُ الشَّيْءَ بِالْمِسَنِّ١ إِذَا أَمْرَرْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يُؤَثِّرَ فِيهِ سَنًّا أَيْ: طَرِيقًا، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: مَعْنَاهَا الدَّوَامُ فَقَوْلُنَا: سُنَّةٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِالْإِدَامَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَنَنْتَ الْمَاءَ إِذَا وَالَيْتَ فِي صَبِّهِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ٢: أَصْلُهَا الطَّرِيقَةُ الْمَحْمُودَةُ، فَإِذَا أُطْلِقَتِ انْصَرَفْتَ إِلَيْهَا، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهَا مُقَيَّدَةً كَقَوْلِهِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً" وَقِيلَ: هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمُعْتَادَةُ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ٣.
وَأَمَّا مَعْنَاهَا شَرْعًا: أَيْ: فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الشَّرْعِ فَهِيَ: قَوْلُ النبي ﷺ وَفِعْلُهُ وَتَقْرِيرُهُ، وَتُطْلَقُ بِالْمَعْنَى الْعَامِّ عَلَى الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ، وَأَمَّا فِي عُرْفِ أَهْلِ الْفِقْهِ فَإِنَّمَا يُطْلِقُونَهَا عَلَى مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُ الْبِدْعَةَ كَقَوْلِهِمْ: فُلَانٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي "فِقْهِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ"٤: وَكَرِهَ الْعُلَمَاءُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: سُنَّةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: سُنَّةُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ.
وَيُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْهَادِينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" ٥. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ ﷺ أَرَادَ بِالسُّنَّةِ هُنَا الطَّرِيقَةَ.
وَقِيلَ فِي حَدِّهَا اصْطِلَاحًا هِيَ: مَا يُرَجَّحُ جَانِبُ وُجُودِهِ عَلَى جَانِبِ عَدَمِهِ تَرْجِيحًا لَيْسَ مَعَهُ الْمَنْعُ مِنَ النَّقِيضِ.
وَقِيلَ هِيَ: مَا وَاظَبَ عَلَى فعله النبي ﷺ مَعَ تَرْكٍ مَا بَلَا عُذْرٍ.
وَقِيلَ هِيَ: فِي الْعِبَادَاتِ النَّافِلَةُ، وَفِي الْأَدِلَّةِ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَحْثِ عَنْهُ في هذا العلم.