أَبُو مُعَاوِيَةَ١ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ٢ عَنْ مُجَاهِدٍ٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ بَعْدَ سَنَةٍ، وَرِجَالُ هَذَا الْإِسْنَادِ كُلُّهُمْ أَئِمَّةٌ ثِقَاتٌ، فَالرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَدْ صَحَّتْ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ خِلَافَ مَا قَالَهُ.
وَيَدْفَعُهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَن حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ فَرَأَى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" ٤ وَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزًا عَلَى التَّرَاخِي لَمْ يُوجِبِ التَّكْفِيرَ عَلَى التَّعْيِينِ، وَلَقَالَ: فَلْيَسْتَثْنِ أَوْ يُكَفِّرْ.
وَأَيْضًا: هُوَ قَوْلٌ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ جَمِيعِ الْإِقْرَارَاتِ وَالْإِنْشَاءَاتِ لِأَنَّ من وقع ذلك منه يمكن أَنْ يَقُولَ مِنْ بَعْدُ: قَدِ اسْتَثْنَيْتُ فَيُبْطِلُ حُكْمَ مَا وَقَعَ مِنْهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ.
وَأَيْضًا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ لِجَوَازِ أَنْ يَرِدَ عَلَى ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءِ فَيَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ.
وَقَدِ احْتُجَّ لِمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا أَخْرَجُهُ أَبُو دَاوُدَ٥ وَغَيْرُهُ، أنه ﷺ قَالَ: "وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قَالَ: "إِنْ شَاءَ اللَّهُ" ٦ وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ السكوت يمكن أن يكون بعارض يعرض يمنع عن الكلام