وأما المنكرون للقياس، فأول من باح بإنكاره النَّظَّامُ، وَتَابَعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، كَجَعْفَرِ بْنِ حرب١، وجعفر بن مبشر٢، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَافِيِّ٣، وَتَابَعَهُمْ عَلَى نَفْيِهِ فِي "الْأَحْكَامِ" دَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغْدَادِيُّ٤ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ "جَامِعِ الْعِلْمِ" أَيْضًا: لَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ فِي التَّوْحِيدِ، وَإِثْبَاتِهِ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا دَاوُدَ، فَإِنَّهُ نَفَاهُ فِيهِمَا جَمِيعًا.
قَالَ: وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَهُ فِي التَّوْحِيدِ، وَنَفَاهُ فِي الْأَحْكَامِ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ عن داود، والنهرواني، وَالْمَغْرِبِيِّ٥، وَالْقَاسَانِيِّ: أَنَّ الْقِيَاسَ مُحَرَّمٌ بِالشَّرْعِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: وَأَمَّا دَاوُدُ فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا حَادِثَةَ إِلَّا وَفِيهَا حُكْمٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ، أَوِ السُّنَّةِ، أَوْ مَعْدُولٌ عَنْهُ بِفَحْوَى النَّصِّ وَدَلِيلِهِ، وَذَلِكَ يُغني عَنِ الْقِيَاسِ.
قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: ذَهَبَ دَاوُدُ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى أَنَّ الْقِيَاسَ فِي دِينِ اللَّهِ بَاطِلٌ، وَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي "الْأَحْكَامِ": ذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِبْطَالِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ جُمْلَةً، وَهُوَ قَوْلُنَا الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ به، والقول بالعلل باطل. انتهى.