لَا شَرِيكَ لَهُ. فَقَالَ: إِنَّكَ لِي نَاصِحٌ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرُنِي قُرَيْشٌ عَنْهُ. فَيُقَالُ: جَزِعَ عَمُّكَ مِنَ الْمَوْتِ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ. قَالَ: فَصَاحَ الْقَوْمُ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَنْتَ رَأْسُ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ الْأَشْيَاخِ. فَقَالَ: لَا تُحَدِّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَنَّ عَمَّكَ جَزِعَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ رسول اللَّه ﷺ: لَا أَزَالُ أَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي حَتَّى يردني، واستغفر له بعد ما مَاتَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: مَا يَمْنَعُنَا أَنْ نستغفر لآبائنا ولذوِي قَرَابَاتِنَا؟ قَدِ اسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ، وهذا محمد ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ، فَاسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ حَتَّى نَزَلَ: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى.
«٥٣٢» - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأُمَوِيُّ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:
خَرَجَ رسول اللَّه ﷺ يَنْظُرُ فِي الْمَقَابِرِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَأَمَرَنَا فَجَلَسْنَا، ثُمَّ تَخَطَّى الْقُبُورَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا، ثم ارتفع [نجيب رسول اللَّه ﷺ] باكياً فبكينا لبكائه، ثُمَّ إِنَّهُ أَقْبَلَ إِلَيْنَا فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الَّذِي أَبْكَاكَ فَقَدْ أَبْكَانَا وَأَفْزَعَنَا؟ فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي؟ فَقُلْنَا:
نَعَمْ [يَا رَسُولَ اللَّهِ] . فَقَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي فِيهِ قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لي فيه فاستأذنته فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فيه، ونزل قوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدَ لِلْوَالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ، فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي.