قالَ أبو صالحٍ: إنَّ الله لَيَضْحَكُ ممَّن يَذْكُرُهُ في السُّوقِ. وسببُ ذلكَ أنَّهُ ذكرٌ في موطنِ الغفلةِ بينَ أهلِ الغفلةِ.
وفي حديثِ أبي ذَرٍّ المرفوعِ: "ثلاثةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ: قومٌ ساروا ليلتَهُم (¬١)، حتَّى إذا كانَ النَّومُ أحبَّ إليهِم ممَّا يُعْدَلُ بهِ، فوَضَعوا رؤوسَهُم، فقامَ أحدُهُم يَتَمَلَّقُني ويَتْلو آياتي. وقومٌ كانوا في سريَّةٍ، فانْهَزَموا، فتَقَدَّمَ أحدُهُم، فلَقِيَ العدوَّ فصَبَرَ حتَّى قُتِلَ". وذَكَرَ أيضًا قومًا جاءَهُم سائلٌ فسَألَهُم فلمْ يُعْطوهُ، فانْفَرَدَ أحدُهُم حتَّى أعْطاهُ سرًّا (¬٢). فهؤلاءِ الثَّلاثةُ انْفَرَدوا عن رفقتِهِم بمعاملةِ اللهِ ﷿ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، فأحَبَّهُمُ اللهُ. فكذلكَ مَن يَذْكُرُ الله في غفلةِ النَّاسِ أو مَن يَصومُ في أيَّامِ غفلةِ النَّاسِ عن الصِّيامِ (¬٣).
وفي إحياءِ الوقتِ المغفولِ عنهُ بالطَّاعةِ فوائدُ (¬٤):
منها: أنَّهُ يَكونُ أخفى، وإخفاءُ النَّوافلِ وإسرارُها أفضلُ، ولا سيَّما الصِّيامِ؛ فإنَّهُ سرٌّ بينَ العبدِ وربِّهِ، ولهذا قيلَ: إنَّهُ ليسَ فيهِ رياءٌ.
وقد صامَ بعضُ السَّلفِ أربعينَ سنةً لا يَعْلَمُ بهِ أحدٌ، كانَ يَخْرُجُ مِن بيتِهِ إلى السُّوقِ ومعَهُ رغيفانِ، فيَتَصَدَّقُ بهِما ويَصومُ، فيَظُنُّ أهلُهُ أنَّهُ أكلَهُما، ويَظُنُّ أهلُ السُّوقِ