وأخبارُ الأجوادِ المنفقينَ أموالَهُم في سبيلِ اللهِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَطولُ ذكرُها جدًّا.
• وكانَ الفقراءُ مِن الصَّحابةِ كلَّما رَأَوْا أصحابَ الأموالِ منهُم يُنْفِقونَ أموالَهُم فيما يُحِبُّهُ اللهُ مِن الحجِّ والاعتمارِ والجهادِ في سبيلِ اللهِ والعتقِ والصَّدقةِ والبرِّ والصِّلةِ وغيرِ ذلكَ مِن أنواعِ البرِّ والطَّاعاتِ والقرباتِ؛ حَزِنوا لِما فاتَهُم مِن مشاركتِهِم في هذهِ الفضائلِ.
وقد ذَكَرَهُمُ اللهُ في كتابِهِ بذلكَ، فقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٠ - ٩١].
نَزَلَتْ هذهِ الآيةُ بسببِ قومٍ مِن فقراءِ المسلمينَ أتَوُا النَّبيَّ ﷺ وهوَ يَتَجَهَّزُ إلى غزوةِ تَبوكَ، فطَلَبوا منهُ أنْ يَحْمِلَهُم، فقالَ لهُم: "لا أجِدُ ما أحْمِلُكُمْ عليهِ". فرَجَعوا وهُم يَبْكونَ حزنًا على ما فاتَهُم مِن الجهادِ معَ رسولِ اللهِ ﷺ (¬١).
قالَ بعضُ العلماءِ: هذا واللهِ بكاءُ الرِّجالِ، بَكَوْا على فقدِهِم رواحلَ يَتَحَمَّلونَ عليها إلى الموتِ في مواطنَ تُراقُ فيها الدِّماءُ في سبيلِ اللهِ وتُنْزعُ فيها رؤوسُ الرِّجالِ عن كواهلِها بالسُّيوفِ. فأمَّا مَن يَبْكي على فقدِ حظِّهِ مِن الدُّنيا وشهواتِهِ العاجلةِ؛ فذلكَ شبيهٌ بـ[ـــبكاءِ] الأطفالِ والنِّساءِ على فقدِ حظوظِهِمُ العاجلةِ:
سَهَرُ العيونِ لِغَيْرِ وَجْهِكَ باطِلٌ … وَبُكاؤُهُن لِغَيْرِ فَقْدِكَ ضائِعُ