كانَ بعضُ الصَّالحينَ يُكْثِرُ الصَّومَ، فرَأى في منامِهِ كانَّهُ دَخَلَ الجنَّةَ، فنُودِيَ مِن ورائِهِ: يا فلانُ! تَذْكُرُ أنَّكَ صُمْتَ للهِ يومًا قطُّ؟ قالَ: إي واللهِ؛ يومٌ ويومٌ ويومٌ. فإذا صَوانِيُّ النِّثارِ (¬١) قد أخَذَتْهُ يمنةً ويسرةً.
كانَ بعضُ الصَّالحينَ قد صامَ حتَّى انْحَنى وانْقَطَعَ صوتُهُ (¬٢)، فماتَ، فرُئيَ بعضُ أصحابِهِ في المنامِ، فسُئِلَ عن حالِهِ، فقالَ:
قَدْ كُسِي حُلَّةَ البَهاءِ وَطافَتْ … بِأباريقَ حَوْلَهُ الخُدَّامُ
ثُمَّ حُلِّي وَقيلَ يا قارِيَ ارْقَهْ (¬٣) … فَلَعَمْري لَقَدْ بَراكَ الصِّيامُ
وصامَ بعضُ التَّابعينَ حتَّى اسْوَدَّ مِن طولِ صيامِهِ!
وصامَ الأسودُ بنُ يَزيدَ (¬٤) حتَّى اخْضَرَّ جسمُهُ وأصْفَرَّ، وكانَ إذا عوتِبَ في رفقِهِ بجسدِهِ؛ يَقولُ: كرامةَ هذا الجسدِ أريدُ!
وصامَ بعضُهُم حتَّى وَجَدَ طعمَ دماغِهِ في حلقِهِ!
وكانَ بعضُهُم يَسْرُدُ الصَّومَ، فمَرِضَ وهوَ صائمٌ، فقالوا لهُ: أفْطِرْ، فقالَ: ليسَ هذا وقتَ تركٍ!
وقيلَ لآخرَ منهُم وهوَ مريضٌ: أفْطِرْ، فقالَ: كيفَ [أفطِرُ وَ] أنا أسيرٌ لا أدْري ما يُفْعَلُ بي (¬٥)؟
ماتَ عامِرُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ وهوَ صائمٌ وما أفْطَرَ.
ودَخَلوا على أبي بَكْرِ بن أبي مَرْيَمَ وهوَ في النَّزعِ وهوَ صائمٌ، فعَرَضوا عليهِ ماءً