قالت: وكان عندَه قَدَحٌ مِن ماءٍ، فيُدْخِلُ يدَهُ في القدَحِ، ثمَّ يَمسَحُ وَجْهَهُ بالماءِ، ويقول: "اللهمَّ، أعِنِّي على سَكراتِ الموتِ"، قالت: وجَعَلَ يقولُ: "لا إلهَ إلا الله، إن للموتِ لَسَكراتٍ" (¬١). وفي حديثٍ مرسَلٍ أنه قال: اللهمَّ إنكَ تأخُذُ الرُّوحَ مِن بين العَصَبِ والقَصَب (¬٢) والأنامِلِ، اللهم فأعِني على الموتِ وهوِّنْهُ علي" (¬٣). ولمَّا [ثقُلَ النَّبي ﷺ جَعَل] (¬٤) يتغشَّاهُ الكَرْبُ، قالت فاطمةُ ﵍: وا كَرْبَ أبتاه! فقالَ لها: "لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليوم" (¬٥). وفي حديثٍ خرَّجه ابنُ ماجه أنه ﷺ قال لِفاطِمةَ: "إنه قَدْ حَضَرَ من أبيكِ ما ليس الله بتاركٍ منه أحدًا (¬٦)، المُوافاةُ (¬٧) يومَ القيامةِ" (¬٨).
ولم يُقْبَضْ ﷺ حتى خُيِّرَ مرةً أُخْرَى بينَ الدنيا والآخِرةِ؛ قالَتْ عائشةُ: كان النبي ﷺ يقولُ: "إنَّه لم يُقْبَضْ نبي [قط] حَتى يرَى مَقْعَدَهُ مِن الجنةِ، ثم يُخيَّرُ". فلمَّا نزلَ به ورأسُهُ على فَخِذِي، غُشِيَ عليه ساعة، ثمَّ أفاقَ، فأشخصَ بصرَهُ إلى سَقفِ البيتِ، ثم قال: "اللهمَّ، الرفيقَ الأعْلَى". فقلْتُ: الآن لا يختارُنا، وعلِمْتُ أنَّه الحديثُ الذي كانَ يُحدِّثناهُ، وهو صَحِيحٌ (¬٩). وكانَتْ تِلكَ آخرَ كلمةٍ تكلَّمَ بها.
وفي روايةٍ أنَّه قال: "اللهمَّ اغفِرْ لِي وارْحَمْنِي، وأَلْحِقْنِي بالرَّفيق الأعْلَى" (¬١٠).
وفي رواية أنه أصابَهُ بُحَّةٌ شَديدةٌ، فسمِعتُه يقوله: ﴿مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ الله عليهِم مِنَ