ثمَّ دَخَلَ المسجِدَ وعُمَرُ يكلِّمُ الناسَ، وهم مجتمِعُونَ عليه، فتكلَّمَ أبو بكرٍ وتشهَّدَ، وحمِدَ الله، فأقبَلَ الناسُ إليه، وتَرَكُوا عُمَرَ. فقال: مَنْ كانَ يعبُدُ محمَّدًا فمن محمَّدًا قَدْ مَاتَ، ومَنْ كان يعبُدُ الله، فإن اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوت، وتلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّا رَسُولْ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل أفإن مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ﴾ (¬١) الآية. فاستيقَنَ الناسُ كلُّهم بموتهِ وكأنَّهُم لم يَسْمَعُوا هذه الآيةَ مِن قبلِ أَن يَتلُوها أبو بكرٍ، فتلقَّاها النَّاسُ منه، فما يُسْمَعُ أحدٌ إلَّا يَتْلُوها.
وقالَتْ فاطمة ﵍: يا أبتاه! أجابَ ربًّا دعاهْ. يا أبتاه! جَنة الفردوسِ مأْواهْ. يا أبتاه! إلى جبريلَ أنعاهْ. يا أبتاه! مِن رَبِّه ما أدناهْ. وعاشَتْ بعدَهُ ستةَ أشْهُرٍ، فما ضَحِكَتْ في (¬٢) تلك المدَّةِ، وحُقَّ لها ذلك.
على مِثْلِ ليلَى يَقْتُل المرءُ نَفْسَه … وإنْ كانَ مِنْ لَيْلَى عَلَى الهَجْرِ طَاوِيا
كلُّ المصائب تهونُ عندَ هذه المصيبةِ.
في "سنن ابن ماجه" أنه ﷺ قال في مرضِهِ: "يا أيها (¬٣) الناسُ! إنْ (¬٤) أحَدٌ مِنَ الناسِ، أو من المؤمنينَ أُصِيبَ بمصيبةٍ، فليتَعزَّ بمصيبتِهِ بي عن المصيبة التي تصيبُه بغيرِي، فإن أحدًا مِن أمتِي لَنْ يُصَابَ بمصيبةٍ بَعْدِي أشدّ عليهِ مِن مصِيبتِي" (¬٥).
قال أبو الجوزاءِ (¬٦): كانَ الرَّجلُ مِن أهلِ المدينة إذا أصابَتْهُ مُصِيبَة جاءَ أخُوه فصافَحَهُ، ويقول: يا عبدَ الله! ثِقْ باللَّهِ (¬٧)، فإن في رسولِ اللهِ ﷺ أسوَةً حَسَنَةً.
اصْبِرْ لِكُلِّ مُصِيبَةٍ وَتَجَلَّدِ … واعْلَمْ بأن المَرْءَ غَير مُخَلَّدِ
واصْبِرْ كما صَبَرَ الكِرامُ فإنَّها … نُوَبٌ تَنُوبُ اليومَ تُكْشَفُ في غَدِ (¬٨)