أين حَالُ هؤلاء الحمقَى مِن قومٍ كان دهرُهم كلُّه رمضانَ، ليلُهُم قيامٌ ونهارُهُم صِيامٌ.
باعَ قومٌ مِن السَّلفِ جاريةً، فلمَّا قَرُبَ شهر رمضانَ رأتهم يتأهَّبُون (¬١) له ويستعِدُّون بالأطعمة وغيرِها، فسألتهم فقالوا: نتهيَّأُ لصيام رمضانَ، فقالَتْ: وأنتم لا تصومون إلَّا رمضانَ؟ لقد كنتُ عندَ قوم كلُّ زمانِهم رمضَانُ، رُدُّوني عليهم. وباع الحسنُ بن صالح (¬٢) جاريةً له، فلمَّا انتصَفَ الليلُ قامَتْ فنادتهم: يا أَهْلَ الدَّارِ، الصَّلاةَ الصَّلاةَ، قالوا: طلَعَ الفجْرُ؟ قالت: وأنتم لا تُصَلُّون إلَّا المكتوبةَ، ثم جاءَتْ إلى (¬٣) الحسن، فقالت: بعتني على قومِ سُوءٍ لا يُصلُّون إلا المكتوبةَ (¬٤)، رُدَّني رُدَّني.
قال بعضُ السَّلفِ: صُمِ الدُّنيا واجْعَلْ فِطرَكَ الموتَ. الدُّنيا كلُّها شهرُ صيام المتقينَ، يَصُومون فيه عن الشَّهواتِ المُحرَّماتِ، فإذا جاءَهُم الموتُ فقد انقضَى شهرُ صيامِهم واستهلُّوا عيدَ فطرِهم.
وَقَدْ صُمْتُ عَن لذَّاتِ دَهرِيَ كُلِّها … وَيوْمُ لِقاكُمْ ذاكَ فِطْرُ صِيامِي
مَنْ صَامَ اليومَ عن شهواتِهِ أفطرَ عليها بعدَ مماتِه، ومن تعجَّل ما حُرِّمَ عليه قبلَ وفاتِهِ عُوقِبَ بِحرْمانِهِ في الآخِرةِ وفواتِهِ، وشاهِدُ ذلك قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (¬٥). الآية. وقولُ النبيِّ ﷺ: "مَنْ شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا لم يشربْها في الآخرة" (¬٦)، و"مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يَلْبَسْهُ في الآخِرة" (¬٧).