ويتَصَدَّقُون بفُضُولِ أموالهم. فقال النبيُّ ﷺ: أَوَلَيْسَ قد جَعَلَ الله لكم (¬١) ما تتصدَّقُون به؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحةٍ صَدَقَةً، وكُلِّ تكبيرةٍ صَدَقَةً، [وكُلِّ تحميدَةٍ صدقةً] (¬٢)، وكُلِّ تهليلَةٍ صَدَقَةً؛ وأَمْرٌ بالمعروفِ صدَقَةٌ، ونَهْيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ؛ وفي بُضْعِ أَحَدِكُم صَدَقَةٌ" (¬٣).
وفي "المسند" (¬٤) عنه أنَّه قال: يا رسولَ الله! الأغنياء يتصدَّقون ولا نتصدَّقُ. قال: "وأنتَ فيك صدقة؛ رفعُكَ العَظْمَ عن الطَّريق صدقةٌ، وهِدايتُكَ الطريقَ صدقةٌ، وعونُك الضعيفَ بفضل قوَّتك صدقَةٌ، وبيانُكَ عن الأَرتَمِ (¬٥) صدقة، ومُباضعَتُكَ امرأتَكَ صدقَةٌ".
وفي المعنى أحاديث كثيرة جدًّا يطول ذكرها.
واعلم أنَّ من عَجَزَ عن عَمَلِ خيرٍ، وتأسَّفَ عليه، وتمنَّى حُصُولَهُ، كان شريكًا لفاعله في الأجر، كما تقدَّم (¬٦) في الذي قال: "لو كان لي مالٌ لعمِلْتُ فيه ما عمِلَ فلانٌ … " أنَّهما سواءٌ في الأجر والوِزْر. وقد قيل: إِنَّهما سواءٌ في أصل الأجر دون المضاعفة؛ فإِنَّها تختصُّ بالعامل، فمن هنا كان أربابُ الهِمَمِ العالية لا يَرضَوْنَ بمجرَّد هذه المشارَكَةِ، ويطلبون أن يعملوا أعمالًا تقاوم الأعمالَ التي عَجَزُوا عنها؛ ليفوزوا بثوابٍ يقاومُ ثوابَ تلك الأعمال، ويضاعَفُ لهم كما يضاعف لأولئك، فيستووا هم وأولئك العُمَّال في الأجر كُلِّه.