الأكياس (¬١) وفِطرُهم، كيفَ يسبِقُ سَهَرَ الجاهلين وصيامَهم. ولهذا المعنى كان فَضْلُ العلم النافع الدَّالِّ على معرفة الله وخشيته ومحبَّته ومحبَّةِ ما يُحبُّه وكراهة ما يكرهُهُ، لا سيما عند غلبة الجَهْلِ، والتعبُّد به، أفضَلَ من التطوُّع بأعمال الجوارح.
قال ابن مسعودٍ ﵁: أنتم في زمانٍ العمَلُ فيه أفضَلُ من العلم، وسيأتي زمانٌ العِلْمُ فيه أفضَلُ مِن العمل. وقال مطرِّف: فَضْلُ العِلْم أحَبُّ إِليَّ مِن فَضْلِ العِبادة؛ وخيرُ دينكم الوَرَعُ.
وخرَّجه الحاكم (¬٢) وغيرُه مرفوعًا. ونصَّ كثير من الأئمة على أنَّ طلبَ العلم أفضَلُ مِن صلاة النَّافِلَة، وكذلك الاشتغالُ بتطهير القلوب أفضَلُ من الاستكثار مِن الصَّوْم والصَّلاة مع غِشّ القلوب ودَغَلِها (¬٣). ومَثَلُ مَن يستكثِرُ مِن الصَّوم والصَّلاة مَعَ دَغَلِ القَلْب وغِشِّه، كمثَلِ مَن بَذَرَ بَذْرًا في أرضٍ دَغِلةٍ (¬٤) كثيرةِ الشَّوك، فلا يزكو ما ينبُتُ فيها مَن الزرع بل يمحَقُهُ دَغَلُ الأرض ويُفسِدُه، فإِذا نُطِّفَت الأرضُ من دَغَلِها زكا ما ينبُتُ فيها ونما.
قال يحيى بن معاذ: كم من مستغفرٍ ممقوتٍ وساكتٍ مرحومٍ؛ هذا استغفَرَ وقلبُه فاجرٌ، وهذا سَكَتَ (¬٥) وقلبُه ذاكر. وقال غيرُه: ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إِنَّما الشأنُ فيمن ينام على فراشِهِ ثم يصبح وقد سَبَقَ الركبَ. مَن سار على طريق الرسول ﷺ -ومنهاجه وإِن اقتصد، فإِنَّ يسبِقُ مَن سَارَ على غير طريقه وإِن اجتهَدَ.
مَن لي بمثْلِ سَيْرِك المذلَّل … تمشِي رُويدًا وتجِي في الأوَّلِ
والمقصود أنَّ هذا الباهلِيَّ لمَّا رآه النبيُّ ﷺ قد أَنهَكَهُ الصَّومُ وغيَّر هيئتَه، وأضرَّ به في جسَدِه، أمَرَهُ أوَّلًا أن يقتصِرَ على صيام شهر الصَّبْر، وهو شهرُ رمضانَ؛ فإِنَّه الشهرُ الذي افترضَ الله صيامَهُ على المسلمين، واكتفَى منهم بصيامه من السَّنَة كُلِّها؛