بقيَّةَ ليلتِه ومن الغدِ، فدخَلُوا عليه فوجَدُوه ميتًا. قال بعضُ السَّلَف: ما من حَبْرَةٍ (¬١) إلَّا يَتْبَعُها عَبْرَةٌ، وما كان ضَحِكٌ في الدُّنيا إلَّا كان بعدَه بكاءٌ. من عرفَ الدُّنيا حقَّ معرِفتها حَقَرَهَا وأبغضَها، كما قيلَ:
أَمَا لو بيعَتِ الدُّنيا بِفَلْسٍ … أَنِفْتُ لِعَاقِلٍ أنْ يَشْتَرِيها
ومَنْ عَرَفَ الآخِرَةَ وعظمتَها رَغِبَ فيها.
عبادَ الله، هلُمُّوا إلى دارٍ لا يموتُ سكانُها، ولا يخرَبُ بنيانُها، ولا يهرَمُ شُبَّانُها (¬٢)، ولا يتغيَّرُ حسنُها وإحسانُها، هواؤها النَّسيمُ، وماؤها التَّسنيمُ (¬٣)، يتقلَّبُ أهلُها في رحمةِ أرحمِ الرَّاحمينَ، ويتمتَّعُون (¬٤) بالنظر إلى وجهِه الكريمِ كلَّ حينٍ، ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (¬٥).
قال عونُ بن عبد الله بن عُتبَة: بنَى ملِكٌ ممن كان قبلكم (¬٦) مدينةً، فتنوَّقَ (¬٧) في بنيانها (¬٨)، ثم صنَعَ طعامًا ودعا الناسَ إليه، وأقعدَ على أبوابها ناسًا يسألون كلَّ مَن خرَج: هل رأيتم عَيبًا (¬٩)؟ فيقولون: لا، حتَّى جاء في آخرِ النَّاسِ قومٌ عليهم أكسِيةٌ (¬١٠)، فسألوهم: هل رأيتم عيبًا؟ فقالوا: عَيبَيْن. فأدخَلُوهم على الملِكِ، فقال: هل رأيتم عيبًا؟ فقالوا: عيبَين، قال: وما هما؟ قالوا: تَخْرَبُ، ويموتُ صاحبُها. قال: فتعلمونَ دارًا لا تخرَبُ ولا يموتُ صاحبُها؟ قالوا: نعم، [دار الجنَّةِ] (¬١١)، فدعُوه فاستجابَ لهم وانخلَع (¬١٢) من مُلْكِهِ وتعبَّدَ معهم. فحدَّثَ عونٌ بهذا الحديثِ عمرَ بن عبد العزيز، فوقَعَ منه موقعًا، حتَّى هَمَّ أن يخلَعَ نفسَهُ مِن الملكِ، فأتاه ابنُ عمِّه مَسْلمة، فقال: اتَّقِ الله يا أميرَ المؤمنين في أمَّةِ محمدٍ، فوالله لئن فعلْتَ لَيَقْتَتِلُنَّ