بها المَثلُ في جميع بلادِ الفِرِنْج والمُسْلِمِيْن، يُحيْطُ بها أوْدِيَةٌ منِ سَائر جَوانبها، وذَرَعَ علُوّ قُلَّتِها فكان (a) خَمْسمائة ذِرَاع ونيفًا وسَبْعِين ذِرَاعًا، ثمّ حرَّرَ (b) عزمَهُ على حِصَارها بعد رُؤْيتها، واسْتدعى الثَّقَل، فكان وُصُول الثَّقَل وبَقِيَّة العَسْكَر يوم السَّبْتِ رابع عَشْرِيّ جُمَادَى الآخرة، ونَزَل الثَّقَلُ تحت جَبَلِها.
وفي بُكْرة الأَحَد خَامس وعشرين منهُ، صعَد السُّلْطَان، ﵀، جَرِيْدَةً معِ المُقاتِلَة والمنْجَنِيْقاتِ وآلات الحِصَار إلى الجَبَل، فأحْدَق بالقَلْعَة من سَائر نَواحيها، ورَكَّب القِتَالَ عليها من كُلِّ جانبٍ، وضرَبَ أسْوَارها بالمِنْجَنِيْقاتِ المُتَواترة الضَّرب ليلًا ونهارًا، وقاتَلَها، فقَسمَ العَسْكَر ثلاثة أقْسَام، كُلّ (c) قسمٍ يُقاتِل شَطْرًا من النَّهَار ثمّ يَسْتريح.
وضَرِسَ النَّاسُ من القِتَال، وتَراجَعُوا عنه، وتسلّم النَّوْبَةَ الثَّانيَة السُّلْطَان، ﵀، بنَفْسه، ورَكِبَ وتحرَّكَ خَطواتٍ عدّة، وصاح في النَّاس، فحملُوا عليها حَمْلَة الرَّجُل الواحد، وصَاحُوا صَيْحة الَرَّجُل الواحدِ، وقَصَدُوا السُّور من كُلِّ جانب، فلم يكن إلَّا بعض سَاعَة وقد رَقِي النَّاسُ على الأسْوَار، وهَجَمُوا القَلْعَة، واسْتَغاثُوِا الأمان، وقد تمكَّنت الأيدِيِ منهم، ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (¬١)، ونُهِب جميع ما فيها، وأُسِرَ جميع منْ كان فيها، وكان قد آوَى إليها خَلْقٌ عَظِيم، وكانت من قِلاعهِم المَذْكُورة.
قُلْتُ: وقد بقي حُصُون لحَلَب وأعْمالها خَرِبَت بِالكُليَّةِ، وأمَّحَى رَسْمُها، وبقي اسْمُها؛ مثل: زرْدَنَا من بلد الجَزْر والأثارِب، وقد خَرجَ منها بعضُ الرُّوَاة، وكَفَرْ لاثَا من جَبَل بني عُلَيْم وغيرها لم أذْكرها لعَدم الفائدة في ذِكْرها.