يحكى أنَّه لما حجَّ بيبرس (¬١) وسَلاَّر (¬٢)، ودخلا المدينة لنيل شرفِ الازديار، فاوضهما كافورٌ في أمر المنار، وإنَّما قصد الإذَن منهما لا الدِّرهم والدِّينار، وصرَّح لكلٍّ منهما بذلك، وقال: عندي من قناديل الذَّهب والفِضَّة ما يكفيني عن مالك.
وكان قد ربَّاهما في بيت السُّلطان، وأنشأهما صغيرين في حَجرِ الإحسان، فأصبح مُجَلاًّ لديهما، مُدِلاًّ عليهما، مَرْعِيَ الجَناب، مُراعَى الحقوق، مسموعَ الكلام، ممنوع العقوق.
فأنعما له بالإذن من غير امتناع، ووعداه بتجهيز /٥٠٩ المُؤَن وإرسال الصُّنَّاع، فخاف كافورٌ صروفَ الحوادث، واشتغالهما بالمُلك مع قِلَّة البواعث، فبادر إلى تحصيل المُؤَن والحِجارة، وما يُحتاج إليه في عِمارة المنَارة، فجمع من ذلك أمثالَ الجبال الرَّواسي، ونَهض بعزمةٍ أحدَّ من المواسي (¬٣)، وهِمَّةٍ تأنف من كلِّ مساعدٍ مُوَاسي، وأمر بحفر الأساس، واستقلَّ بالعمل من بين الأُناس، ولا دبَّر ولا قاس، ولا خاف القِلَّة والإفلاس، ولم يكن عِمدتُه على قناديل الحرم، وإنَّما حمله على ذلك الإخلاصُ والكَرَم، وقد أراد اللهُ ذلك وبه حَكَم، فلم ينْزلوا إلا قليلاً إذْ وجدوا باب مروان بن الحكم، فنبشوه فإذا بَرْنِيَةٌ (¬٤) مَلأى من المال، سهَّل الله بِها الأعمال، وبلَّغ المخلصين المنى والآمال.