وحدثني الشيخ الثبت سعيد الدكّاليّ (¬١) (وهو ممن أقام بمالّي خمسا وثلاثين سنة، مضطربا في بلادها، مجتمعا بأهلها)، قال: «المستفيض ببلاد السودان أن النيل في أصله ينحدر من جبال سود تبان على بعد كأنّ عليها الغمائم، ثم يتفرّق نهرين: يصب أحدهما في البحر المحيط إلى جهة بحر الظلمة الجنوبي (¬٢)، والآخر يصل إلى مصر حتى يصب في البحر الشاميّ».
قال الشيخ سعيد الدّكّاليّ: «ولقد توغّلت في أسفاري في الجنوب مع النيل، فرأيته متفرّقا على سبعة أنهر، تدخل في صحراء منقطعة، ثم تجتمع تلك الأنهر السبعة، وتخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا مجتمعا، كلا الرؤيتين في بلاد السودان، ولم أره لما اجتمع بالصحراء لأننا لم ندخلها، إذ لم يكن بنا حاجة إلى الدخول إليها».
قلت: والأقوال في أول مجرى النيل كثيرة، ذكر فيها المسعودي (¬٣) وغيره ما لا فائدة فيه، والشائع على ألسنة الناس أنّ أحدا ما وقف على أوله بالمشاهدة، وجعل كل واحد منهم سببا لعدم الوقوف على حقيقة أوله.
فقال بعضهم: إنه انتهى أناس وصعدوا الجبل فرأوا وراءه بحرا عّجاجا، ماؤه أسود كالليل، يشقه نهر أبيض كالنهار، يدخل الجبل من جنوبه ويخرج من شماله، ويتشعب على قبة هرمس المبنية هناك، وزعموا أنه هرمس الهرامسة (¬٤).