أما عمر بن الخطاب ﵁ فإنّه أوّل من فصل القضاء عن الولاية، فعيّن قضاة مستقلّين في الأقاليم الإسلاميّة بجانب الولاة وفرض لهم رزقاً. ومن أسباب ذلك اتساع الدّولة الإسلاميّة في خلافته اتساعاً كبيراً وكثرة رعاياها، فكان لا بد من وجود قاضٍ يفصل في قضايا النّاس وخصوماتهم، لأن الأمير عنده من الأعمال والمهام الشيء الكثير الذي لا يستطيع معه الجمع بين مهمتي الولاية والقضاء، إضافة إلى أنّ الولاة في الغالب كانوا منشغلين بأمور الفتح وإعداد الجيوش والقيام بالدّعوة إلى الله ﷿، والمحافظة على الأمن في مناطقهم وولايتهم. وكان فصل عمر للقضاء عن الولاية مركز بشكل كبير في مناطق الثغور حيث كثافة الجند، وانشغال الولاة بأمور الإعداد للجند والجهاد في سبيل الله.
وفي المدينة كان عمر ﵁ يقوم بمهمة القضاء بين الرعية والنظر في منازعاتهم وخصوماتهم بنفسه حتى إذا كان آخر خلافته وكثرت رعيته ﵁ وكبرت سنه، قال ليزيد بن أخت النمر (¬١) ﵁: اكفني بعض الأمور - يعني صغارها (¬٢).