في أوّل وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أوّل وقتها.
كما كان ديدنه ﷺ حتى قالت عائشة: "ما صلى صلاة لآخر وقتها مرّتين حتى قبضه الله تعالى" (¬١).
ولا يشكّ منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرّة أخفّ من خلافه وأيسر.
وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح (¬٢): أن قوله ﷺ: "لئلا تحرج أمتي" يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج.
فإن قلت: الجمع الصوري هو فعل لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين
في وقتها فلا يكون رخصة بل عزيمة، فأيّ فائدة في قوله ﷺ: "لئلا تحرج أمتي" مع شمول الأحاديث المعينة للوقت للجمع الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه.
قلت: لا شك أن الأقوال الصادرة منه ﷺ شاملة للجمع الصوري كما ذكرت، فلا يصحّ أن يكون رفع الحرج منسوبًا إليها بل هو منسوب إلى الأفعال ليس إلا لما عرّفناك من أنه ﷺ ما صلى صلاة لآخر وقتها مرّتين، فربما ظنّ ظانّ أن فعل الصلاة في أوّل وقتها متحتم لملازمته ﷺ لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعًا صوريًا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرّد الفعل.
وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة ﵃ من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم ﷺ بالنحر حتى دخل ﷺ على أم سلمة مغمومًا، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل، فنحروا أجمع (¬٣) وكادوا يهلكون غمًا من شدّة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق.