فَائِتِينَ عَنَّا، وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ، الْآيَةَ.
«١٥٤٦» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غُلَامًا مِنَ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَهُ، فَدَخَلَ فَرَأَى عُمَرَ بِحَالَةٍ [كَرِهَ عُمَرُ] [١] رُؤْيَتَهُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
«١٥٤٧» وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ [أبي] [٢] مَرْثَدٍ كَانَ لَهَا غُلَامٌ كَبِيرٌ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فِي وَقْتٍ كَرِهَتْهُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ خَدَمَنَا وَغِلْمَانَنَا يَدْخُلُونَ عَلَيْنَا فِي حَالٍ نَكْرَهُهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ.
اللَّامُ لَامُ الْأَمْرِ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يَعْنِي الْعَبِيدَ وَالْإِمَاءَ، وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ، مِنَ الْأَحْرَارِ وليس الْمُرَادُ مِنْهُمُ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ، بَلِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَمْرَ النِّسَاءِ، وَلَكِنْ لَمْ يَبْلُغُوا. ثَلاثَ مَرَّاتٍ، أَيْ لِيَسْتَأْذِنُوا فِي ثَلَاثِ أَوْقَاتٍ، مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ، يريد المقبل، وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ، وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهَا سَاعَاتُ الْخَلْوَةِ وَوَضْعِ الثِّيَابِ فَرُبَّمَا يَبْدُو مِنَ الْإِنْسَانِ مَا لَا يُحِبُّ أن يراه أحد، من العبيد والصبيان [فأمرهم] [٣] بِالِاسْتِئْذَانِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلْيَسْتَأْذِنُوا فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ [وَأَبُو بَكْرٍ] [٤] «ثَلَاثَ» بِنَصْبِ التاء بدلا من قَوْلِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، أَيْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ، سُمِّيَتْ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ عَوْرَاتٍ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَضَعُ فِيهَا ثِيَابَهُ فَتَبْدُو عَوْرَتَهُ، لَيْسَ عَلَيْكُمْ، جناح، وَلا عَلَيْهِمْ، يعني [٥] الْعَبِيدِ وَالْخَدَمِ وَالصِّبْيَانِ، جُناحٌ، فِي الدُّخُولِ عَلَيْكُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ، بَعْدَهُنَّ، أَيْ بَعْدَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ، طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ، أَيْ: الْعَبِيدُ وَالْخَدَمُ يَطُوفُونَ عَلَيْكُمْ فَيَتَرَدَّدُونَ وَيَدْخُلُونَ ويخرجون في أشغالكم [٦] بِغَيْرِ إِذْنٍ، بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ أَيْ يَطُوفُ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ قوم: [هو] [٧] مَنْسُوخٌ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: لَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ ستور ولا حجاب، فكان الولائد والخدم يَدْخُلُونَ فَرُبَّمَا يَرَوْنَ مِنْهُمْ مَا لا يحبون، فأمروا بالاستئذان، فقد بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ وَاتَّخَذَ النَّاسُ السُّتُورَ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ أَغْنَى عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أنها غير منسوخة.