ولهذا قال الإمام الشافعي: «اِجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَديثًا عَلَى تَثْبِيتِ خَبَرَ الوَاحِدِ وَالاِنْتِهاءِ إِلَيْهِ» (١).
والألفاظ المجملة في القرآن والسنة المتواترة تفصلها سنة الآحاد ولا يمكن أن يقال إنها ليست وحيًا من الله تعالى، فقد حدد النبي ﷺ موضع قطع يد السارق، قطع اليد من الرسغين ولم يقطعهما من الكتف أو مفصل الذراع، فلا يجوز لأحد أن ينسب هذا إلى وضع البشر، ومن هنا قال الفقهاء: إن هذا حكم بالقرآن، وكذلك الحال في الصلوات الخمس والصيام وسائر الأحكام التفصيلية كلها دل عليها القرآن الكريم (٢). قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٣).
• الإِجْمَاعُ وَالمَصَادِرُ المُخْتَلَفُ فِيهَا:
لقد ذكر الدكتور عصمت سيف الدولة أن الإجماع والقياس والاستحسان وكل ما جاءت بها من القواعد هي حكم بشري ينسب إلى من اجتهد فوضعه، وهذه المسألة كانت تحتاج إلى تفصيل وإلى تفرقة بين أنواع منها:
١ - إذا أجمع صحابة رسول الله ﷺ على حكم شرعي ورد أصله في القرآن مجملاً، وفي هذا قال الفقهاء: «كُلُّ مَا وُجِدَ فِي القُرْآنِ مِنْ حُكْمٍ مَنُوطٍ بِلَفْظٍ يَشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ وَرَدَتْ (السُّنَّةُ بِهِ) (فَالوَاجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِأَنَّ مَا حَصَلَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ أَوْ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ) مَأْخُوذٌ مِنْ القُرْآنِ وَأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالِاسْمِ الْمَذْكُورِ فِيهِ وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: ٦] لَمَّا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الجِمَاعَ وَاللَّمْسَ بِاليَدِ ثُمَّ رُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ الجُنُبَ بِالتَّيَمُّمِ» فَالوَاجِبُ أَنْ يَقْضِيَ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ (٤)».
هذا والأمر بالتيمم للجنب. رواه النسائي في كتاب الطهارة - باب ٩٢: ١/ ١٧٠؛ و" عون المعبود " (**)، كتاب الطهارة، باب ١٢٣، ١/ ٥٢٨. ويدل أيضًا أن المراد باللمس الجماع وليس اللمس باليد، «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ». فالإجماع هنا ليس اجتهادًا بشريًا.