وَقَالُوا: ما شأنُهُ؟ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ. قَالَ: " دَعُونِى، فَالَّذِى أَنَا فِيهِ خَيْرٌ، أُوصِيكُمْ بِثَلاثٍ: أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَجِيزُوا الوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ " قَالَ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَأُنْسِيتُهَا.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهَذَا الحَدِيثِ.
٢١ - (...) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: يَوْمُ الخَمِيسِ! وَمَا يَوْمُ الخَمِيسِ! ثمَّ جَعَلَ تَسِيلُ دُمُوعُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ عَلَى خَدَّيهِ كَأَنَّهَا نِظَامُ اللُّؤَلُؤِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ائتُونِى بالكَتِفِ وَالدَّوَاةِ - أَوِ اللَّوْحِ وَالدَّوَاةِ - أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ
ــ
تخييرهم، فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم، وهو يدل على رجوعهم إلى الاجتهاد فى الشرعيات، فأرى عمر - رضى الله عنه - اجتهاده إلى الامتناع من هذا، ولعله استلوح أن ذلك منه ﷺ صدر من غير قصد إليه جازم، وهو المعنى بقولهم: " هجر رسول الله ﷺ " وبقول عمر - رضى الله عنه -: " غلب عليه الوجع " وما ضامه من القرائن الدالة على أنه عن غير قصد جازم على حسن ما كانوا يعهدونه من تعوده ﷺ فى بلاغ الشريعة، وأنه لا يجرى مجرى غيره من طرق البلاغ التى اعتادوها منه ﷺ. ظهر ذلك لعمر - رضى الله عنه - ولم يظهر للآخرين ما ظهر لعمر فخالفوه، فلعل عمر - رضى الله عنه - هجش فى نفسه أن المنافقين قد يستطرقون إلى القدح فيما اشتهر من قواعد الإسلام، وبلغه ﷺ لسائر المسلمين بكتاب يكتب فى خلوة وأحاد، ويضيفون إليه ما يشبهون به على الذين فى قلوبهم مرض، ولهذا قال عمر: " عندكم القرآن، حسبنا كتاب الله ". قال أهل اللغة: هجر العليل بمعنى هذى.
قال الإمام ﵀: فقد قدمنا نحن بيان القول فيما وقع منه ﷺ، وبينا ما يجوز عليه وما لا يجوز.
قال الإمام القاضى ﵀: رواية مسلم فى هذا: " العجز ": وكذا وقع فى كثير من الطرق، وهو أصح من رواية مَنْ روى: " هجر " و " يهجر " إذ هذا كله لا يصح منه ﵇ ولا يصح أن يعتقد عليه وإنما جاء هذا لِمَنْ قائله على طريق الإنكار لمن قال: لا تكتبوا، أى لا تتركوا أمر رسول الله ﷺ وتجعلوه كأمر من هجر فى كلامه، أو هو لا يهجر، كما قال تعالى: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ (١) أى أنت لا تهلكنا