صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَىْ عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ ". فَقَالَ عَبَّاسٌ - وَكَانَ رَجُلاً صَيِّتًا -: فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوْتِى: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ قَالَ: فَوَاللهِ، لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ، حِينَ سَمِعُوا صَوْتِى، عَطْفَةُ البَقَرِ عَلَى أَوْلادِهَا. فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ، يَا لَبَّيْكَ قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالَكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِى الأَنْصَارِ، يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ. قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِى الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَقَالُوا: يَا بَنِى الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، يَا بَنِى الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، كَالمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا، إِلَى قِتَالِهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
ــ
هذا وعصمته منه، وقيل: إنما قبل ﷺ هدايا الكفار من أهل الكتاب ممن كان على النصرانية كمقوقس والنجاشى وملوك الشام، فلا تعارض بينه وبين قوله: " إنا لا نقبل زبد المشركين "، وقد أبيح لنا طعام أهل الكتاب وذبائحهم ومناكحتهم، فهم خلاف غيرهم.
وركوبه ﷺ البغلة فى مواطن الحرب تعويلاً على الثبات، وليكون فيه، يرجع إليه المسلمون وتطمئن قلوبهم إلى مكانه. وقد كانت له ﷺ أفراس معروفة مسماة. وفيه ما كان ﷺ من الشجاعة والإقدام، من تقدمه بركض بغلته إلى جمع المشركين والناس كلهم قد فروا. نزوله إلى الأرض فى الرواية الأخرى: " لما غشوه " مبالغة فى ذلك ونهاية فى الثبات. وقيل: مواساة لمن كان نازلاً معه بالأرض راجلاً، وقد اعترف الصحابة كلهم - رضى الله عنهم - بشجاعته. وفى مسلم: " أن الشجاع منا الذى يحاذى به "، وأنهم كانوا يتقون به. وفيه: أن ذمة الرحم وقاية القرابة فوق كل ذمة، وشفقتها تربى على كل شفقة، إذ فر فى تلك المواطن كل أحد إلا آل النبى ﷺ فى عمه وبنى أعمامه ومواليه. وقوله: " ناد أصحاب السمرة ": أى الذين بايعوا عند الشجرة.
وقوله:، وكان عطفتهم عطفة البقر على أولادها ": دليل على أن فرارهم لم يكن بعيداً أولاً من جميعهم، وإنما شق عليهم من فى قلبه مرض من سالمه أهل مكة ومشركيها، الذين لم يسلموا حتى قالوا: لا يردهم إلا البحر، وإنما كانت هزيمتهم فجأة من انصبابهم عليهم بحرة ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يقر الإيمان فى قلبه، وممن يتوقع بالنبى ﷺ الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة وصف إخفاؤهم وحسارهم كما ذكر فى الحديث: " فرجعت أولاهم لأخراهم " (١) إلى أن أنزل الله سبحانه سكينته - كما ذكر فى كتابه - على المؤمنين وأيدهم بجنوده.