لأحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِى ذَلِكَ: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فَي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ (١).
ــ
وقد روى فى حديث آخر: أنه قال للزبير أولاً: اسق إلى الكعبين] (٢)، فلما رد عليه الأنصارى [قال له] (٣): " اسق حتى يبلغ الجدر ": فيه صبر النبى ﷺ على الأذى والاحتمال للجفاء، ويجب التأسى به على ما تقدم، ومثل هذا لو صدر اليوم من أحد فى حق النبى ﷺ من تهمته فى الحكم، ورميه فيه بالهواء والميل، لكان كفرًا يجب قتل قائله، لكنه ﵇ كان أول الإسلام يؤلف ويدفع بالتى هى أحسن، وكان يصبر للمنافقين ومن فى قلبه مرض على أكثر من هذا من التصريح والتعريض، وكان يقول: " يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا " (٤)، " ولا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه " (٥)، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦).
وقوله: إنى لأحسب هذه الآية فى ذلك نزلت: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٧): اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقيل: فى شأن الزبير كما تقدم. وقيل: فى رجلين تحاكما إلى النبى ﷺ، فحكم على أحدهما، فقال له: ادفعنى إلى عمر بن الخطاب. وقيل: فى قصة اليهودى والمنافق اللذين اختصما إلى النبى ﷺ، فلم يرض المنافق بحكمه وطلب الحكم عند الكاهن، قالوا: وهو قول مجاهد، وأشبه بسياق الآية وما قبلها. وقال الطبرى: لا ينكر أن تكون نزلت فى الجميع. وحكى الداودى: أن الذى خاصم الزبير كان منافقاً (٨).
وقوله عنه: " من الأنصار ": أى من قبيلهم لا منهم.