وَأَمَّا الْحُورُ الْعَيْنُ فَهُمَا جَمْعُ حَوْرَاءَ وَعَيْنَاءَ مِنَ الْحَوَرِ (بِالتَّحْرِيكِ) وَهُوَ شِدَّةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ مَعَ شِدَّةِ سَوَادِهَا، فَالْحَوْرَاءُ مُؤَنَّثُ الْأَحْوَرِ، وَالْحَوَارِيَّةُ مُؤَنَّثُ الْحَوَارِيِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الْحِوَارِيُّ بِمَعْنَى النَّفْيِ الْخَالِصِ فِي غَيْرِ اللَّوْنِ، قَالَ فِي اللِّسَانِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَوَارِيُّونَ صَفْوَةُ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ خَلَصُوا لَهُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْحَوَارِيُّونَ خُلْصَانُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَصَفْوَتُهُمْ قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: " الزُّبَيْرُ ابْنُ عَمَّتِي، وَحَوَارِيِّي مِنْ أُمَّتِي " أَيْ خَاصَّتِي مِنْ أَصْحَابِي وَنَاصِرِي قَالَ: وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ حَوَارِيُّونَ، وَتَأْوِيلُ الْحَوَارِيِّينَ فِي اللُّغَةِ الَّذِينَ أَخْلَصُوا وَنَقَوْا
مَنْ كُلِّ عَيْبٍ اهـ. وَاللُّغَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى النَّقَاءِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهَذَا التَّحْدِيدِ، وَإِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى النَّقَاءِ وَالْخُلُوصِ مُطْلَقًا، فَيَكْفِي فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ خَلَصُوا لِنَصْرِهِ أَوْ خَلَصُوا وَنَقَوْا مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، وَقَدْ حَكَى الله عَنْهُمْ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: آمَنَّا، أَيْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى ﵇، وَأَشْهَدُوا اللهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ أَيْ مُخْلِصُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، مُذْعِنُونَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَحَكَى عَنْهُمْ فِي سُورَتَيْ (آلِ عِمْرَانَ ٥٢) وَ (الصَّفِّ ١٤) أَنَّهُمْ حِينَ قَالَ الْمَسِيحُ: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ) (هـ) قَالُوا: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ) .
(إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ) قَالَ أَبُو السُّعُودِ الْعِمَادِيُّ فِي تَفْسِيرِ: " إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ " مَا نَصُّهُ: كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيَانِ بَعْضِ مَا جَرَى بَيْنَهُ ﵇ وَبَيْنَ قَوْمِهِ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ كَمَا يُنْبِئُ عَنْهُ الْإِظْهَارُ فِي مَوْقِعِ الْإِضْمَارِ، وَ " إِذْ " مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﵊، بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الْخِطَابِ وَالِالْتِفَاتِ، لَكِنَّ لَا لِأَنَّ الْخِطَابَ السَّابِقَ لِعِيسَى ﵇ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِخِطَابٍ وَإِنَّمَا هُوَ حِكَايَةُ خِطَابٍ، بَلْ لِأَنَّ الْخِطَابَ لِمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (اتَّقُوا اللهَ) الْآيَةَ فَتَأَمَّلْ كَأَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَقِيبِ حِكَايَةِ مَا صَدَرَ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ مِنَ الْمَقَالَةِ الْمَعْدُودَةِ مِنْ نِعَمِ اللهِ تَعَالَى الْفَائِضَةِ عَلَى عِيسَى ﵇. اذْكُرِ النَّاسَ وَقْتَ قَوْلِهِمْ إِلَخْ. وَقِيلَ: