كَمَا كَانَ الَّذِينَ يَسْبِقُونَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَكَذَا الْوَسَطُ، وَلِهَذَا كَانَ الْكُبَرَاءُ الْمُسْتَكْبِرُونَ يَزْدَادُونَ إِعْرَاضًا عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَعَدَاوَةً لَهُمْ كَمَا بَيَّنَهُ التَّنْزِيلُ مِرَارًا وَتَكْرَارًا، وَمِنْهُ قِصَّةُ نُوحٍ: - وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ - إِلَى قَوْلِهِ ﵇: - وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْرًا - ٢٧ - ٣١ وَمِنْهُ تَهْدِيدُ مَدْيَنَ لِرَسُولِهِمْ شُعَيْبٍ ﵇ بِالرَّجْمِ هُنَا لَوْلَا رَهْطُهُ، وَتَهْدِيدُهُ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ بِالنَّفْيِ وَالْإِخْرَاجِ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَمِنْهُ تَهْدِيدُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى وَأَخِيهِ، وَمَا فَعَلَهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ بِرَسُولِ اللهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالْقَتْلِ أَوِ الْحَبْسِ أَوِ الْإِخْرَاجِ مِنْ وَطَنِهِ، وَقَدْ فَعَلُوا مَا اسْتَطَاعُوا، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِدُعَاةِ الْإِصْلَاحِ وَكُلِّ مَنْ يُرْشِدُ الشُّعُوبَ إِلَى مُقَاوَمَةِ الظُّلْمِ وَالِاسْتِبْدَادِ، وَالرِّيَاسَةِ الطَّاغِيَةِ الْمُتَكَبِّرَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
فَهَذَا الْإِرْشَادُ الرَّبَّانِيُّ فِي كِتَابِ اللهِ - تَعَالَى - عَامٌّ دَائِمٌ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَلَا غِنَى عَنْهُ. وَقَدْ غَفَلَ أَهْلُ الْقُرْآنِ عَنْهُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَبِغْيُهَا عِوَجًا) :
كَانَ الظَّالِمُونَ الْمُعَانِدُونَ لِلرُّسُلِ يَسْتَهْزِئُونَ بِدَعْوَتِهِمْ وَيَزْدَرُونَ أَتْبَاعَهُمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ، حَتَّى إِذَا مَا كَثُرُوا وَخَافُوا مِنْهُمْ قُوَّةَ الْكَثْرَةِ طَفِقُوا يَصُدُّونَهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، أَيِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى مَا يُحِبُّهُ لَهُمْ مِنَ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ، يَصُدُّونَهُمْ بِكُلِّ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ أَسْبَابِ الصَّدِّ كَالْإِهَانَةِ وَالتَّخْوِيفِ وَالتَّعْذِيبِ لِلضُّعَفَاءِ، وَتَزْيِينِ الْعَصَبِيَّةِ وَحُبِّ الرِّيَاسَةِ وَالْغِنَى لِلْأَقْوِيَاءِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أَيْ يَطْلُبُونَ جَعْلَهَا مُعْوَجَّةً بِذَمِّهَا وَادِّعَاءِ بُطْلَانِهَا وَضَرَرِهَا، وَقَدْ وَرَدَ هَذَانِ الْوَصْفَانِ فِي الْآيَةِ ١٩ مِنْ سِيَاقِ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ هُنَا وَفِي سُورَتَيْ إِبْرَاهِيمَ وَالْأَعْرَافِ، وَفِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ أَيْضًا إِذْ كَانَ قَوْمُهُ يَقْعُدُونَ فِي كُلِّ طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِهِمْ يَصُدُّونَ النَّاسَ عَنْ دَعْوَتِهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، وَتَكَرَّرَ ذِكْرُ الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِدُونِ وَصْفِهَا بِالْعِوَجِ فِي سُوَرٍ أُخْرَى، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ وَدُعَاةِ الْأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ حَتَّى هَذَا الزَّمَانِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الْعَدَاوَةُ بِالْكَيْدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلرُّسُلِ) :
جَاءَ فِي قِصَّةِ هُودٍ ﵇ قَوْلُهُ: - فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ - ٥٥ فَقَدْ كَانَ يَتَوَقَّعُ الْكَيْدَ مِنْهُمْ. وَهَلْ كَانَ وَقَعَ لَهُ فَقَاسَ الْمُسْتَقْبَلَ عَلَى الْمَاضِي أَمْ عَلِمَهُ مِنْ حَالِهِمْ، أَمْ فَرَضَ وُقُوعَهُ فَرْضًا وَأَنْبَأَهُمْ بِعَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِهِ؟ كُلُّ جَائِزٍ.
وَفِي قِصَّةِ شُعَيْبٍ ﵇ حِكَايَةً عَنْ قَوْمِهِ: - وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ - ٩١ وَفِيهَا مِنَ الْعِبْرَةِ أَنَّ هَذَا دَأْبُ الْمُفْسِدِينَ فِي عَدَاوَةِ الْمُصْلِحِينَ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَشَدُّهُمْ كَيْدًا لَهُمْ أَهْلُ الْحَسَدِ وَالْبِدَعِ مِنْ لَابِسِي لِبَاسِ الْعُلَمَاءِ، وَأَعْوَانِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ.