وأمّا حديث الموطّأ (١): "إنَّي لا أَنْسَى أَوْ أُنَسَّى" فإنّما هو شَكٌّ من الرّاوي في اللَّفْظَيْن، على أنّه حديث لا يوجد في غير الموطّأ، وهو ممّا انْفَرَدَ به مالك.
ومعلوم أنّ النِّسْيَانَ في لغة العرب بمعنى التَّرك، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية (٢)، معناه: تَرَكُوا.
وقيل: نسوا الله، أي تركوا طاعة الله فَتَرَكَ رحمتهم وهدايتهم.
وكان ابنُ عُيَيْنَة يقول: ما جاء من الأحاديث في نِسْيَانِ القرآن، قال: هو تَرْكُ العَمَلِ بما فيهِ، كقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ الآية (٣)، قال: ليسَ من نَسِيَ حِفْظَه وتَفَلَّتَ منه بنَاسٍ، إنّما إذا كان لا يُحِلُّ حَلاَلَهُ ولا يحرِّمُ حرامه، قال: ولو كان ذلك ما نسِيَ النّبيِّ ﷺ شيئًا منه، قال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية (٤)، وقد نَسِيَ رسول الله ﷺ شيئًا منه فقال: "ذَكَّرَني هذا آية كنت نَسيتُها". وإنّما كان هذا لأنّه بَشَرٌ ومن جُمْلَة الآدميّة.
حديث مالك (٥)، عن هِشَام بن عُرْوَة، عن أبيه (٦)، عن عائشةَ زوجِ النّبيِّ ﷺ أنّ الحارِثَ بن هِشَامٍ سأَلَ رسولَ الله ﷺ: كيفَ يَأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ: "أحيانًا يَأْتينِي في مِثل صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهو أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَد وَعَيْتُ ما قالَ، وأحيانَا يَتَمَثَّلُ لي المَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي ما يقولُ" قالت عائشة: ولقد رَأَيْتُهُ يَتزِلُ عليه في اليومِ الشَّديدِ البَرْدِ فَيفْصِمُ عنه وإنّ جَبِينَهُ لَيتَفَصَّدُ عَرقًا.
الإسناد:
قال الإمام: خَرَّجَ مالكٌ هذا الحديث ههنا على هذا المتن وهذا الإسناد، وقد ابتدأَ البخاريّ (٧) بهذا الحديث لأنّه من باب الإيمان بالنُّبُوَّة. فقال: باب كيف كان بدْء الوحي إلى رسول الله ﷺ وساق الآية: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية (٨).