- ﵁ ضرب صبيغًا عليها ونفاهُ وحرَّمَ مجالسة المسلمينَ له، حتّى كتب عامله إليه (١) بتوبته، فكتب إليه: لا أراه إلَّا صَدَقَ، فخَلِّي بينه وبين النّاس (٢).
وهذا السُّؤال الّذي وقعَ في الحديث عن النَّبيِّ ﷺ وإن كان قد خرجَ عن قبيل الأعمال، فهو من فنِّ العقائد، وإنّما أَجَابَهُ النّبيُّ ﷺ وهو قد كَرِهَ السُّؤالَ- لأَمْرِ قد ظهر له في السَّائلِ، وإنّما كَرِهَ السُّؤال لكَثرة الإلْحَاح عليه بذلك، لقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (٤) و ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ (٥) والنوع مثل هذا كثيرٌ، يأتي بيانُه إنّ شاء الله في "كتاب الأحكام في القضاء" من هذا "الكتاب" عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية (٦)، وإنّما أَجابَ النّبيُّ ﷺ للحارث (٧) بِمَا ظهرَ له من أَحَدِ وجهين:
أحدهما: ما عَلِمَ من صِحَّةِ معتَقَدِه ومَقْصدِه، وأنّ غَرَضَه التّمييز لا المُعَانَدَة.
الثّاني: أنّه لَمَّا كان إشكالٌ (٨) لا يعمُّ وقوعُه، ويتلجلج في الصُّدور ريبةً، تَعَيَّنَ عند السُّؤالِ كَشْفُه.
الفائدة الثّانية:
فيه أنّه قد كان منهم طائفةٌ تسأل، وطائفة تحفظ، وكلُّهم أَدَّى وبلَّغَ ما عَلِمَ، ولم يكتم أحدٌ شيئًا حتّى أكملَ اللهُ دينَهُ.
الفائدة الثّالثة:
قوله (٩): "كيفَ يَأْتيكَ الوَحْيُ" قد بيَّنَّا في "الكتاب الكبير" انقسام الوحي إلى ثمانية أقسام، لُبابُها أنّها الإعلام بكلام أو إشارة. والوحيُ هو من قولهم: وَحَى