يدلُّ عليه قولُ عمر بن الخطّاب ﵁ "كَان من آخِرِ مَا أَنَزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ آية الرِّبَا، فَتُوُفّي رسولُ اللهِ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا (١)، فَلَمَّا لَمْ يُفَسِّرْهَا عُلِمَ أنَّه لم يَعُمّ جميع وجوه الرِّبا بالنَّصِّ عليها, للعلّمِ الحاصلِ أنَّه ﷺ قد نصَّ على كثير منها، من ذلك:
تحريمُهُ صلّى الله عليه عن التّفاضُل بين الذَّهَبَيْن وبين الوَرِقَيْنِ، ونهيُهُ ﵇ عن بَيعِ وَسَلَفٍ، وعن بَيْعِ ما ليس عِنْدَكَ، وعَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، وعن بَيْعِ المُلَامَسَةِ , وعن بَيْعِ الثّمارِ قبلَ أنّ يَبْدُوَ صَلَاحُها، وما أَشْبَهَ ذلك؛ لأنّ هذه الأحاديث تُحْمَلُ على البيانِ والتّفسير لمَا أَجْمَلَ اللهُ في كتابه من ذِكْرِ الرَّبَا، وما لم ينصّ عليه ﷺ من وجوه الرِّبا، فَإنّه أَحَالَ فيه على طُرُقِ الأدِلّة أدِلّة الشّرع وبيَّنَ وجوهها، وما تُوُفِّي رسولُ الله إِلَّا بعدَ أنَّ كَمُلَ الدّينُ، وبعد أنَّ بين كلّ ما يحتاجه النَّاس، قال اللهُ تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية (٢).
قال (٣): وممّا يدلُّ على ما تأَوَّلنا حديثُه ﵇ في جميع أنواع الرِّبَا، وقولُ عمر: "إِنكُم تَزْعُمُونَ أَنَّا نَعْلَمُ أَبْوَابَ الرَّبَا، وَلأَنْ أَكُونَ أَعْلَمُهَا أَحَبَ إلَيَّ مِنْ أنّ يَكُونَ لِي مِثْل مِصْر وَكُورِها, ولكن من ذلك أبوابٌ لا تخفينّ على أحدٍ: أَنْ تُبَاعَ الثَّمرة وهي مُعْصِفَةٌ (٤) لم تطب، وأنْ يُبَاعَ الذَّهَبُ بِالوَرِقِ والورقُ بالذَّهَبِ نَسِيئًا (٥). فأخبرَ ﵁ أنّ من وجوهِ الرِّبَا ما هو بَيّنٌ جَلِيٌّ لِنْصِّ النَّبيِّ ﵇ عليه، ومنه ما هو باطنٌ خَفِيٌّ لِعَدَمِ