ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى: قَالَ اللهُ: لَا أَمَلُّ أَبَدًا مَلَلْتُمْ أَنْتُمْ أَوْ لَمْ تَمَلُّوا، فَجَرَى هَذَا مَجْرَى قَوْلِ العَرَبِ: لَا أُكَلِّمُكَ حَتَّى يَشِيبَ الغُرَابُ، وَلَا أَلْقَاكَ حَتَّى يَبْيَضَّ القَارُ، يُرَادُ بِهِ: لَا أُكَلِّمُكَ وَلَا أَلْقَاكَ أَبَدًا (¬١).
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا القَائِلَ أَصَابَ لَعَمْرِي فِي مَعْنَى الحَدِيثِ (¬٢)، فَإِنَّ مَعْنَاهُ هَذَا، إِلَّا أَنَّهُ أَفْسَدَهُ بِالاسْتِشْهَادِ، فَإِنَّ العَرَبَ إِنَّمَا تَقُولُ: لَا أُكَلِّمُكَ حَتَّى يشِيبَ الغُرَابِ [وَيَبْيَضَ القَارُ] (¬٣)، وَابْيضَاضُ القَارِ مِمَّا لَا يُتَصَوَّرُ كَوْنُهُ عُرْفًا (¬٤)، وَلَمْ يُرِدِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا أَنَّكُمْ لَا تَمَلُّونَ أَبَدًا، بَلْ مَقْصُودُهُ: تَمَلُّونَ وَلَا يَمَلُّ الله. وَمَقْصُودُ الأَوَّلِ: كَمَا لَا يَشِيبُ الغُرَابُ أَبَدًا لَا أَلْقَاكَ أَبَدًا، مَكَانَ المَسْأَلَةِ مَعَ الاسْتِشْهَادِ ضِدَّانِ.
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَمَلُّ إِذَا مَلَلْتُمْ أَيْضًا، وَمِثْلُهُ قَوْلُ ابْنِ أُخْتِ تَأَبَّطَ شَرًّا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لِخَلَفٍ الأَحْمَرِ (¬٥): [مِنَ المَدِيدِ]
صَلِيَتْ مِنِّي هُذَيْلٌ بِخِرْقٍ … لَا يَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى يَمَلُّوا