«٥٧» قوله: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (¬١) قرأه الكوفيون وابن كثير بالتوحيد، وفتح التاء، وقرأ الباقون بالجمع وكسر التاء.
وحجة من قرأ بالتوحيد أن الذرية تقع للواحد والجمع، قال الله جل ذكره:
﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ «آل عمران ٣٨» فهذا للواحد إنما سأل هبة ولد فبشر ب «يحيى»، دليله قوله في موضع آخر ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ «مريم ٥». وقد أجمع على التوحيد في قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ «مريم ٥٨» ولا شيء أكثر من ذرية آدم. وقال تعالى: ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ «الأعراف ١٧٣» فهذا للجمع، فلمّا وقعت للجمع استغني بذلك عن الجمع، ومثله «البشر» يقع للواحد والجمع، وقال الله جلّ ذكره: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ «التغابن ٦» فهذا للجمع، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ﴾ «المؤمنون ٣٤» فهذا للواحد.
«٥٨» وحجة من جمع أنه لمّا كانت الذرية تقع للواحد أتى بلفظ لا يقع للواحد (¬٢)، فجمع ليخلص الكلمة إلى معناها المقصود إليه، لا يشركها فيه شيء، وهو الجمع، لأن ظهور بني آدم استخرج منها ذرّيّات كثيرة متناسبة أعقابا (¬٣) بعد أعقاب، لا يعلم عددهم إلا الله، فجمع لهذا المعنى، والجمع بالتاء والألف يقع للتكثير، على تقدير جمع بعد جمع، وتقدير حذف التاء كلما جمع، وحذف الألف لاجتماع ألفين (¬٤) كلما كرّر الجمع، وفتح التاء في التوحيد لأنه مفعول به، وعلى ذلك كسرت في الجمع، لأنه جمع على حد التثنية، فالخفض فيه كالنصب (¬٥).
«٥٩» قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿أَوْ تَقُولُوا﴾ قرأ أبو عمرو بالياء فيهما، ردّهما على لفظ الغيبة المتكرر قبله، وهو قوله: ﴿مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾