فإن كان الجهل بحكم يتعلق بحق الله تعالى من حيث الإباحة والتحريم، فإن صاحبه لا يؤاخذه عليه حتى يبلغه الدليل، فقد روى مسلم (١) في صحيحه عن ابن عباس ﵄ أن رجلا أهدى لرسول الله ﷺ راوية خمر (٢) فقال له رسول الله ﷺ «هل علمت أن الله قد حرمها؟.» قال: لا، فسار إنسانا فقال النبي ﷺ «بم ساررته؟» فقال: أمرته ببيعها فقال رسول الله ﷺ «إن الذي حرم شربها حرم بيعها» قال: ففتح المزاد حتى ذهب ما فيها.
وفي ذلك يقول النووي لعل سؤال الرسول ﷺ عن علمه بالتحريم ليعرف حاله فإن كان عالما بتحريمها أنكر عليه هديته، وعزره على ذلك فلما أخبره أنه كان جاهلاً بذلك عذره وفي هذا دليل على أن من ارتكب معصية جاهلاً تحريمها، فلا إثم عليه ولا تعزير (٣) ,.
ولكن إذا تعلقت جناية الجاهل بحق الناس فالقاعدة أنه لا يعذر أحد بجهالته حفاظًا على حقوق الناس روى مسلم عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه» (٤) فمن يدعي الجهل بالأمور الظاهرة في الإسلام سواء كانت في حق الله أو حق عباده لا يقبل منه ذلك إذا كان يعيش في وسط إسلامي.
أما من كان حديث عهد بالإسلام، وكان قد نشأ في مجتمع غالب سكانه غير مسلمين فقد يعذر ببعض أنواع الشرك إذا وقع فيه وهو لا يدري، والدليل على ذلك طلب الصحابة رضوان الله عليهم أن يجعل لهم الرسول ﷺ ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط، فحلف رسول الله ﷺ.