ثانياً: ومن أمثلة الانتقال من التكلّم إلى الغيبة مايلي:
* قول الله ﷿ في سورة (الكوثر/ ١٠٨ مصحف/ ١٥ نزول) :
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾ [الآيات: ١ - ٢] .
فقد جاء الكلام أوّلاً على طريقة التكلُّم: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ﴾ ثُمَّ انْتَقَل إلى أسلوب الحديث عن الغائب: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ولم يَقُلْ: فَصَلِّ لنا.
والحكمة من هذا الالتفات التذكير بحقِّ الرّبّ الْمُنْعِم بعطاءات الربوبيَّة في أن يَعْبُدَهُ عبادُهُ ويُصَلُّوا له، مع الاقتصاد في التعبير، والإِيْجاز في القول.
* وقول الله ﷿ في سورة (الزمر/ ٣٩ مصحف/ ٥٩ نزول) :
﴿*قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ [الآية: ٥٣] .
كان مقتضى الظاهر أن يأتي التعبير: لا تقنطوا من رحمتي إنّي أغْفِرُ الذُّنوب جميعاً.
ولكن حصل العدول عنه إلى ﴿مِن رَّحْمَةِ الله ... ﴾ للإِشعار بأنّ من صفات الله الجليل العظيم أن يغفر ذنوب مَنْ يُنيبون إلى رَبِّهِمْ ويسلمون له، كما جاء في الآية التالية من السورة، مع الإِيجاز والاقتصاد في العبارة.
* وقول الله ﷿ في سورة (الدخان/ ٤٤ مصحف/ ٦٤ نزول) :
﴿حم* والكتاب المبين * إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ [الآيات: ١ - ٦] .
بدأ الأسلوب في هذا النّصّ عَلى طَرِيقة حديث المتكلّم عن نفسه: ﴿إِنَّا أنْزَلْنَاهُ - إنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ - أمراً من عِنْدِنا - إنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ .