مِن ثَنِيَّةٍ، فَإِذَا هُم قَد أَتَاهُم فُلَانُ بنُ بَدرٍ الفَزَارِيُّ، فَجَلَسُوا يَتَضَحَّونَ يَعنِي يَتَغَدَّونَ، وَجَلَستُ عَلَى رَأسِ قَرنٍ قَالَ الفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا مِن هَذَا البَرحَ، وَاللَّهِ مَا فَارَقَنَا مُنذُ غَلَسٍ يَرمِينَا، حَتَّى انتَزَعَ كُلَّ شَيءٍ فِي أَيدِينَا. قَالَ: فَليَقُم إِلَيهِ نَفَرٌ مِنكُم أَربَعَةٌ. قَالَ فَصَعِدَ إِلَيَّ مِنهُم أَربَعَةٌ فِي الجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمكَنُونِي مِن الكَلَامِ، قَالَ: قُلتُ هَل تَعرِفُونِي؟ قَالُوا: لَا، وَمَن أَنتَ؟ قَالَ: قُلتُ: أَنَا سَلَمَةُ بنُ الأَكوَعِ وَالَّذِي كَرَّمَ وَجهَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَا أَطلُبُ رَجُلًا مِنكُم إِلَّا أَدرَكتُهُ، وَلَا يَطلُبُنِي فيدركني، قَالَ: أَحَدُهُم أَنَا أَظُنُّ قَالَ: فَرَجَعُوا فَمَا بَرِحتُ مَكَانِي حَتَّى
ــ
عقيرته؛ أي: صوته. و (يتضحَّون)؛ أي: يتغدَّون. وأصله: يأكلون عند الضحى. و (يُقرَون): يُضافون. أخبرهم ﷺ: بأنهم قَد وَصَلُوا إِلِى بِلَادِهِم، وِأَنَّهُم قَد فَاتُوهُم. وَ (الأَرَام): بألف ساكنة من غير همز: الأعلام من الحجارة. قال الشاعر:
وبَيداءَ تَحسَبُ آرامَها ... رجالَ إيَادٍ بأجلادِها
يعني: بأشخاصها. و (الأرآم) بهمز الألف: الظباء. و (القرن): جبل صغير منفرد منقطع من جبل كبير. و (البَرح) مفتوحة الباء، ساكنة الراء، يعني به: المشقة الشديدة.
وقوله: (أنا أظنُّ) أي: أتيقَّن. كما قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَه﴾؛ أي تحققت، وأيقنت. ويحتمل البقاء على أصل الظن الذي هو تغليب لأحد المحتملين، وقد اقتصر عليها ولم يذكر لها هنا مفعول. ويحتمل أن يكون حذف مفعولها للعلم به، وهو: ذاك الذي هو إشارة إلى أن المصدر الذي يكتفى به عن المفعولين، كما تقول: ظننت ذاك. والله أعلم.
و(أعدو على رجلي)؛ أي: أشتد في الجري. و (حليتهم) كذا وقع في رواية القاضي بالياء، وقال: أصله الهمز فسُهّل.