أَبَا هُرَيرَةَ قَد أَكثَرَ! وَاللَّهُ المَوعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ لَا يَتَحَدَّثُونَ مِثلَ أَحَادِيثِهِ! وَسَأُخبِرُكُم عَن ذَلِكَ؛ إِنَّ إِخوَانِي مِن الأَنصَارِ كَانَ يَشغَلُهُم عَمَلُ أَرَضِيهِم، وَإِنَّ إِخوَانِي مِن المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشغَلُهُم الصَّفقُ بِالأَسوَاقِ، وَكُنتُ أَلزَمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلءِ بَطنِي، فَأَشهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحفَظُ إِذَا نَسُوا، وَلَقَد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَومًا: أَيُّكُم يَبسُطُ ثَوبَهُ فَيَأخُذُ مِن حَدِيثِي هَذَا ثُمَّ يَجمَعُهُ إِلَى صَدرِهِ فَإِنَّهُ لَم يَنسَ شَيئًا سَمِعَهُ؟ فَبَسَطتُ بُردَةً عَلَيَّ حَتَّى فَرَغَ مِن حَدِيثِهِ، ثُمَّ جَمَعتُهَا إِلَى صَدرِي، فَمَا نَسِيتُ بَعدَ ذَلِكَ شَيئًا حَدَّثَنِي بِهِ، وَلَولَا آيَتَانِ أَنزَلَهُمَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مَا حَدَّثتُ شَيئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكتُمُونَ مَا أَنزَلنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى﴾ إِلَى آخِرِ الآيَتَينِ.
ــ
و(قوله يقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يتحدثون مثل أحاديثه)، هذا الإنكار خلاف إنكار عائشة ﵂، فإنَّها إنما أنكرت سرد الحديث، وهؤلاء أنكروا على أبي هريرة أن يكون أكثر الصحابة حديثًا، وهذا إنكار استبعادٍ وتعجب لا إنكار تهمة ولا تكذيب لما يعلم من حفظه وعلمه وفضله، ولما يعلم أيضًا من فضلهم ومعرفتهم بحاله، ولذلك بيَّن لهم الموجب لكثرة حديثه، وبيَّن أنه شيئان؛
أحدهما: أنه لازم النبي ﷺ ما لم يلازموا، فحضر ما لم يحضروا.
والثاني: بركة امتثال ما أرشد إليه رسول الله ﷺ من بسط ثوبه وضمِّه إلى صدره، فكان ذلك سبب حفظه وعدم نسيانه، فقد حصلت لأبي هريرة ولأمه من بركات رسول الله ﷺ وخصائص دعواته ما لم يحصل لغيره، ثم إن أبا هريرة ﵁ لما حفظ علمًا كثيرًا عن رسول الله ﷺ وتحقق أنه وجب عليه أن يبلغه غيره ووجد من يقبل عنه ومن له رغبة في ذلك تفرَّغ لذلك مخافة