الوجه الحاديْ عشَرَ: وهو أنَّ مِن النَّاسِ مَن إذا لم يُنفذْ غضبَه قَتَلَه غضبُه ومات، أو مرِضَ، أو غُشي عليه، كما يُذكرُ عن بعض العرب: أنَّ رَجُلاً سَبَّه؛ فأراد أنْ يَردَّ [على السَّابّ] (¬١) فأمسكَ جليسٌ له بيده على فَمِهِ، ثم رَفَعَ يدَه لما ظَنَّ أنَّ غضبَه قد سَكَنَ، فقال: «قتلتني! رَدَدتَ غضبي في جوفي» (¬٢). ومات مِن ساعتِه. فإذا نفذ مثل هذا غضبه بقَتْل أو ظُلم لغيره لم يُعذَرْ بذلك كالسَّكران، وأما إذا نَفذَ بقولٍ فإنَّه يمكن إهدار قوله، وألَاّ يترتَّب أثره عليه، كما أهدر الله سبحانه دعاءَه ولم يرتِّبْ أثرَه عليه، ولم يستجبه له.
ولهذا ذهب بعضُ الفقهاءِ إلى أنه لا يجلد بالقذف في حال الخصومة والغضب، وإنما يُجلد به إذا أتى به اختياراً وقَصْداً لقذفِه. وهو قولٌ قويٌ جداً، ويدلُّ عليه: أنَّ الخصم لا يُعذر (¬٣) بجَرْحِه