ويتوكّف (١) مناجاة الملك، فقلت: ذاك أمر طواه الله بعد نبيه محمد ﷺ، أكان الأمر معقودا بأنشوطة، أو مشدودا بأطراف ليطة (٢)؟ كلا! والله لا عجماء بحمد الله إلا وقد أفصحت، ولا شوكاء (٣) إلا وقد تفتّحت، ومن أعجب شأنك قولك: ولولا سالف عهد، وسابق عقد، لشفيت غيظى بخنصرى وبنصرى، وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان؟ تلك جاهلية وقد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها، وهوّر ليلها، وغوّر سيلها، وأبدل منها الرّوح والرّيحان (٤)، والهدى والبرهان، وزعمت أنك ملجم، ولعمرى إن من اتقى الله، وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه، وأطبق فاه، وغلب عقله ودينه على هواه، وجعل سعيه لما وراه.
وأما قولك: إنى لأعرف منزع قوسى، فإذا عرفت منزع قوسك عرف غيرك مضرب سيفه، ومطعن رمحه، وأما ما تزعمه من الأمر الذى جعله رسول الله ﷺ لك فتخلّفت إعذارا إلى الله وإلى العارفة به من المسلمين، فلو عرفه المسلمون لجنحوا إليه وأصفقوا عليه، وما كان الله ليجمعهم على العمى، ولا ليضربهم بالضلال بعد الهدى، ولو كان لرسول الله ﷺ فيك رأى، وعليك عزم، ثم بعثه الله، فرأى اجتماع أمته على أبى بكر لما سفّه آراءهم، ولا ضلّل أحلامهم، ولا آثرك عليهم، ولا أرضاك بسحطهم، ولأمرك باتباعهم والدخول معهم فيما ارتضوه لدينهم».