وأهل المدينة، وأهل الكوفة فإنهم قالوا: لا قطع على المستعير الجاحد وإنما عليه الضمان؛ لأنه لا يطلق عليه اسم السارق ولا يوجد فيه حد السرقة.
ص: وكان من الحجة لهم أن هذا الحديث قد رواه معمر كما ذكروا، وقد رواه غيره فزاد فيه: "أن تلك المرأة التي كانت تستعير الحلي فلا ترده سرقت فقطعها رسول الله ﷺ لسرقتها".
فمما روي في ذلك ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير أخبره، عن عائشة ﵂: "أن امرأة سرقت في عهد رسول ﷺ زمن الفتح، فأمر بها رسول الله ﵇ أن تقطع، فكلمه فيها أسامة بن زيد ﵄ فتلون وجه رسول الله ﵇ فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العشي قام رسول الله ﵇ فاثنى على الله ما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها".
حدثنا يونس، قال: ثنا شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: "أن قريشًا همهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﵇؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة. . . ." ثم ذكر مثل معناه.
فثبت بهذا الحديث أن القطع كان بخلاف المستعار المجحود.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للآخرين: أن الحديث الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه قد رواه معمر بن راشد كما ذكروا، وقد رواه غير معمر فزاد فيه أن تلك المرأة التي كانت تستعير الحلي وتجحده قد سرقت فقطعها رسول الله ﵇ لأجل سرقتها لا لأجل جحودها فقط.