إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟ " قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ"، قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ؟ قَالَ: "شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًا"، قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ". رَوَاهُ وأَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦١].
ــ
وقوله: (قتل تغمر الدماء أحجار الزيت) الغمر: الماء الكثير، غمره الماء غمرًا واغتمر: غطاه، تغطي الدماء وتستر وتعلو أحجار الزيت، وهو اسم موضع بالمدينة فيه أحجار سود كأنها طليت بالزيت، والعائد إلى الموصوف محذوف، أو يقال: إن الدماء في معنى القتل واللام بدل من الإضافة، وهذا إخبار عن وقعة الحرة، وهي من أشنع الوقائع وأقبحها، وقعت في زمن يزيد بن معاوية، أرسل جيشًا إلى مدينة الرسول ﷺ سنة ثلاث وستين بعد وقعة قتل أمير المؤمنين الإمام الشهيد الحسين بن علي ﵁، فاستباح حرم المدينة، وهتك حرمة مسجده ﷺ، وربط فيه الدواب، وقتل من الصحابة والتابعين من يبلغ ألوفًا، وغير ذلك من الشنائع، وقد ذكرناها في تاريخ المدينة فليطلب ثمة، وذلك في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين.
وقوله: (تأتي من أنت منه) قيل: أي ارجع إلى من خرجت من عنده، يعني أهلك وعشيرتك، وقيل: ارجع إلى إمامك ومن بايعته.
وقوله: (أن يبهرك) البهر: الإضاءة والغلبة، وهو كناية عن استعمال السيف.
واعلم أنه ينبغي أن تحمل هذه الأخبار على أنه ﷺ لم يكشف له عن تعيين أوقات هذه الوقائع، فأخبر أبا ذر بالصبر فيها باحتمال أنه لعله يكون مدركًا لها، وإلا فأبو ذر ﵁ لم يكن باقيًا إلى وقعة الحرة؛ لأنه مات اثنين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁،