وفتوح كان من أعظمها الحوار بين المسلمين والمشركين، وعرض المسلمين لدينهم الأمر الذي كان ممنوعًا وغير مقبول قبل هذا الصلح فدخل الناس بعده في دين الله أفواجًا.
فالواجب على المسلمين الاعتدال في الدعوة إلى الله فلا غلظة ولا شدة؛ بل قول لين وموعظة حسنة ورفق بالمدعوين، وإرشاد بالحسنى للضالين عن الصراط المستقيم، وستر على المسلمين، ومجادلة وحوار مع الجميع بالتي هي أحسن.
وقال ﷾: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ (يوسف: ١٠٨)، وقال ﷿: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ (النحل: ١٢٥)، أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب.
وقال الرسول المصطفى ﷺ: "إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ" (١)
إن وسطية هذا الدين وسماحته لو ظهرت للناس على حقيقتها، لوجد التائهون فيه ضالتهم المنشودة وسعادتهم وغبطتهم، ولتحقق لهم النصر العظيم والفوز المبين، ولو أعطى المسلمون بسلوكهم المنهج الوسط لكان للإسلام شأن أعظم وأرض أرحب.
ولهذا فإن الواجب تعميق مفهوم الوسطية بالتوعية والإرشاد والقدوة، ومقارعة الحجة بالحكمة والموعظة الحسنة، ينهض بذلك العلماء وأهل الهدى، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة من الآية: ١١)، وقال ﷿: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩).
على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم، وللدعاة من بعده بدينه القويم فلننظر في