وكان مسجده ﷺ عامرًا بتلاوة القرآن يضج بأصوات الحفاظ فأمرهم ﷺ أن يخفضوا أصواتهم لئلا يتغالطوا (١).
عن البياضي أن رسول الله ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن (٢).
وكان كل حافظ للقرآن ينشر ما حفظه، ويعلمه للأولاد والصبيان والذين لم يشهدوا نزول الوحي، امتثالًا لأمره ﷺ: "بَلِّغوا عني ولو آية" (٣)، فشاع حفظه بين الرجال والنساء، حتى إن المرأة المسلمة كانت ترضى سورة من القرآن أو أكثر مهرًا لها، ومما ورد في ذلك حديث سهل بن سعد ﵁ قال: "أتت النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله ﷺ، فقال: ما لي في النساء من حاجة، فقال رجل: زوجنيها، قال: أعطها ثوبًا، قال لا أجد، قال: أعطها ولو خاتمًا من حديد، فاعتلَّ له، فقال: ما معك من القرآن؟ قال: كذا وكذا، قال فقد زوجتكها بما معك من القرآن" (٤).
وخير دليل على كثرة الحفاظ في زمن الرسول ﷺ أنه قُتل منهم في بئر معونة المعروفة بـ "سرية القراء" سبعون رجلًا (٥)، كما قُتل منهم يوم اليمامة في عهد أبي بكر الصديق ﵁ سبعون قارئًا، وذكر أبو عبيد في كتابه "القراءات" عددًا كبيرًا من القراء أصحاب النبي ﷺ، فذكر كثيرًا من المهاجرين، وكثيرًا من الأنصار، وبعض أزواج النبي ﷺ (٦).
وقد حفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب جم غفير من الصحابة، منهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكذلك أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود،